رفقاً بأرضنا

لماذا تُعَدُّ عودة الولايات المتحدة الأمريكية إلى اتفاق باريس أمرا إيجابيا على أكثر من صعيد؟

سمعي
قرار عودة الولايات المتحدة إلى اتفاق باريس حول المناخ أحد القرارات الأولى التي اتخذها بايدين يوم وصوله إلى البيت الأبيض
قرار عودة الولايات المتحدة إلى اتفاق باريس حول المناخ أحد القرارات الأولى التي اتخذها بايدين يوم وصوله إلى البيت الأبيض © إذاعة فرنسا الدولية
7 دقائق

تنفس كثير من الناشطين في المجال البيئي الصُّعداء عندما تأكدوا من خبر انتصار جو بايدن على دونالد ترامب في أعقاب الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي جرت في الثالث من شهر نوفمبر –تشرين الثاني عام 2020 لعدة أسباب أهمها أن بايدن تعهد خلال حملته الانتخابية بإعادة بلاده إلى اتفاق باريس حول المناخ والذي كان قد أبرم في نهاية عام 2015. وكان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب قد اتخذ في بداية يونيو –حزيران عام 2017 قرار إخراج الولايات المتحدة من هذا الاتفاق لأنه كان يرى أن الاتفاق يُعيق تطور الاقتصاد الأمريكي وأن التغير المناخي بدعة اخترعها الصينيون لإحكام سيطرتهم على العالم كله.

إعلان

ولا بأس من التذكير هنا بأن اتفاق باريس يعد أول نص إطاري عالمي يطلب من كل البلدان المتقدمة وذات الاقتصادات الناشئة والبلدان النامية بذل جهود للحد من  الانبعاثات الحرارية والتكيف مع انعكاسات التغير المناخي السلبية وهي كثيرة.

وإذا كان القرار الذي اتخذه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بسحب الولايات المتحدة الأمريكية من اتفاق باريس قد اتخذ في يونيو –حزيران عام 2017، فإن الخروج الفعلي لم يحصل إلا في الرابع من شهر نوفمبر-تشرين الثاني عام 2020 بموجب الإجراءات القانونية التي ينص عليها الاتفاق بالنسبة إلى البلدان المصادقة عليه والتي ترغب في الانسحاب منه. وخروج الولايات المتحدة الفعلي حصل إذن غداة الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي تنافس فيها ترامب وبايدن وانتصر الثاني في أعقابها على الأول.

محاولات ترامب الرامية إلى إفشال اتفاق باريس

ورغم أن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب كان يدرك عام 2017 أن قرار انسحاب بلاده من اتفاق باريس لن يكون فاعلا إلا في شهر نوفمبر من عام 2020، فإنه حرص على إرسال وفد إلى مؤتمر بون العالمي حول المناخ والذي نظم في بون شهر نوفمبر عام 2017 عساه أن يفلح في إقناع دول كثيرة صادقت على اتفاق باريس بالعمل على تعطيل المفاوضات في الكواليس. ولكن أحد الدبلوماسيين المنتمين إلى الوفد الرسمي الأمريكي في قمة بون أكد أن هذه المهمة قد فشلت وأن اهتمام المشاركين في المؤتمر كان مُركزا على ممثلي الولايات الأمريكية الأربع عشرة التي حرصت مع قرابة مائة مدينة وعشرات الشركات الأمريكية الكبرى على المشاركة في مؤتمر بون لتؤكد أنها ملتزمة باتفاق باريس وأنها تعمل على تنفيذ ما جاء فيه عبر مبادرات وشراكات فعلية من شأنها المساهمة فعلا في الحد من الانبعاثات الحرارية والتكيف مع انعكاساتها.

وخلال فترة حكم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب كانت عدة بلدان متقدمة تعلن عن استيائها من حرص الوفد الأمريكي الرسمي في مؤتمرات المناخ لمحاولة الترويج لأطروحات دونالد ترامب المشكك في ظاهرة الاحترار المناخي. ومع ذلك فإنه فإن بلدانا متقدمة أخرى كانت لديها مصلحة في أن تحضر الولايات المتحدة مؤتمرات المناخ حتى وإن كانت لا تشارك في المفاوضات حول طرق تفعيل اتفاق باريس حول المناخ. ويعزى ذلك إلى رغبة هذه البلدان في أن تضغط الولايات المتحدة من وراء الكواليس على البلدان النامية في ما يخص عدة قضايا منها مثلا قضية التمويلات الخضراء التي تطالب بلدانُ الجنوب بلدانَ الشمال بتوفيرها لمساعدتها على التكيف مع انعكاسات التغير المناخي. وهذا فعلا ما حصل في اجتماع نُظِّم في شهر سبتمبر –أيلول عام 2018 للتمهيد للدروة الرابعة والعشرين من دورات مؤتمر المناخ العالمي السنوية. فقد عطلت الولايات المتحدة طلبا بإلزام البلدان الصناعية بهذه التمويلات لاسيما وأن البلدان المتقدمة هي التي تتسبب أكثر من غيرها منذ بداية الثورة الصناعية التي حصلت في منتصف القرن التاسع عشر في تلويث الأرض والبحار والسماء.

فوائد كثيرة

ويرى نجيب صعب أمين عام المنتدى العربي للبيئة والتنمية أن اتفاق باريس حول المناخ حدث مهم جدا بالنسبة إلى الجهود الرامية إلى التصدي بشكل ناجع إلى ظاهرة الاحترار المناخي أيا تكن المآخذ التي تؤخذ على الاتفاق لاسيما تلك التي يقول أصحابها إن التزامات الدول بشأن خفض الانبعاثات الحرارية ليست إلزامية. ومن إيجابيات عودة الولايات المتحدة الأمريكية إلى الاتفاق أن هذه العودة تعزز مكانة الولايات المتحدة الأمريكية والصين البلدين اللذين ينتجان لوحدهما قرابة 42 في المائة من هذه الانبعاثات باعتبارهما قاطرة الجهود المبذولة على المستويات المالية والعلمية لمواجهة التغير المناخي وانعكاساته السلبية. فالولايات المتحدة الأمريكية كانت وينتظر أن تصبح بعد عودتها إلى الاتفاق من أهم الأطراف المساهمة في تمويل الصندوق الأخضر من أجل المناخ. وكان هذا الصندوق قد أنشئ خلال مؤتمر كوبنهاجن المناخي الدولي في عام 2009 بهدف تقديم مساعدات مالية إلى البلدان النامية الفقيرة للمساهمة في الحد من الانبعاثات الحرارية والتكيف مع انعكاسات التغير المناخي السلبية. زد على ذلك أن للولايات المتحدة عبر القطاع الخاص مهارات مميزة من شأنها المساعدة على الانتقال من الاقتصاد الكربوني إلى الاقتصاد الأخضر. أما الصين الشعبية التي تحتل اليوم المرتبة الأولى في إنتاج الانبعاثات الحرارية بنسبة 28 في المائة من مجمل الانبعاثات، فإنها تظل المستثمر الأول في مجال مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة.

ولئن كان الدكتور إبراهيم عبد الجليل الخبير المتخصص في التغير المناخي يرى بدوره أن عودة الولايات المتحدة الأمريكية المرتقبة إلى اتفاق باريس حول المناخ أمر إيجابي على أكثر من صعيد، فإنه يشدد على ضرورة التزام الحذر تجاه الوعود التي التزم بها الرئيس الأمريكي جو بايدن خلال حملته الانتخابية بشأن السياسة التي سيعتمدها في مجال البيئة والتنمية. ويلح الدكتور عبد الجليل على ضرورة تقويم سياسة بايدن وغيره من قادة العالم تجاه القضايا المتصلة بالمناخ والتنمية من خلال أفعالهم لا من خلال الوعود. وهذا ما يكرره بانتظام أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الذي يقول إن التغير المناخي هو أهم تحد مطروح أمام الأسرة الدولية اليوم وغدا.

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم