رفقاً بأرضنا

هل لِلُحوم المختبرات مستقبل في صحون المستهلكين؟

سمعي
قطعة من لحم دجاج اصطناعي عرض على الزبائن في سنغافورة  (ديسمبر 2020)
قطعة من لحم دجاج اصطناعي عرض على الزبائن في سنغافورة (ديسمبر 2020) © (France24)
12 دقائق

صحيح أن الأشخاص الذين لعبوا دورا مهما في استحداث ما يسمى "لحم المختبرات" أو "اللحم المزروع" أو "المُستزرَع" ينتمون عادة إلى الباحثين في مجال هندسة الأنسجة أو الزراعة الخلوية أو إلى الشركات الصغيرة التي أطلقت منذ تسعينات القرن العشرين والتي تعتمد كثيرا في أنشطتها ومنتجاتها على الابتكار والتكنولوجيا الحديثة وتعمل على إنتاج لحوم لا تمر بالضرورة عبر تربية الحيوانات.

إعلان

مع ذلك فإننا نجد ضمن هذه الأسماء رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ويلسن تشرشل الذي تُنسب إليه مقولة شهيرة وردت عل لسانه أو قلمه في ثلاثينات القرن العشرين. وقد جاء فيها ما يلي: "سنهرب من عبث تربية دجاجة كاملة من أجل أكل الصدر أو الجناح، من خلال زراعة هذه الأجزاء بشكل منفصل باستخدام وسيط مناسب."

والحقيقة أن تشرشل لم يكن باحثا ولا متخصصا في هندسة الأنسجة ولا في الزراعة الخلوية. ولكن الذين يميلون إلى الظن أن هذه المقولة صادرة عنه يرون أن سنوات الثلاثينات كانت أفضل فترة تحول فيها هذا السياسي المخضرم إلى كاتب بعد أن وجد نفسه خارج اللعبة السياسية لبضع سنوات استغلها في الكتابة عن السياسة والأدب وعن بعض التحديات التي كانت مطروحة آنذاك أمام الإنسانية ومنها التحدي المتمثل في الأمن الغذائي. 

وإذا كانت اللحوم التقليدية تتطلب تربية الماشية بشكل تقليدي أو عبر النظام المكثف أو الزراعة العضوية، فإن لحوم الزراعة الخلوية يتم الحصول عليها بواسطة عينات تُؤخذ من خلايا البقر أو الغنم أو الدواجن وتُستزرع في المختبرات من خلال اللجوء إلى تطبيقات التكنولوجيا الحيوية وهندسة الأنسجة والبيولوجيا الجزيئية والبيولوجيا التركيبية لإنشاء طرق جديدة لإنتاج البروتينات والدهون والأنسجة التي تنتجها عادة تربية الحيوانات في المراعي التقليدية.

الباحثة النمساوية هاني روتزلر تتذوق أول " همبرغر" اصطناعي أُعِدَّ عام 2013
الباحثة النمساوية هاني روتزلر تتذوق أول " همبرغر" اصطناعي أُعِدَّ عام 2013 © (ويكيبيديا)

مطبخ اللحم الاصطناعي في سنغافورة

الملاحظ أن سنغافورة هي أول بلد سمح في شهر ديسمبر –كانون الأول عام 2020 باستهلاك لحم الدجاج الاصطناعي الذي انتجته شركة أمريكية ناشئة تسمى " إيت جاست". وثمة حرص لدى الشركات الناشئة التي تُجري اليوم تجارب ترمي إلى تصنيع لحوم المختبرات أو اللحوم الاصطناعية على ربط الموضوع بمسار العملية التنموية المستدامة انطلاقا مما يسمى "الاستهلاك المستدام".

وفي هذا الشأن يقول نيكولا مورين فوريست أحد مؤسسي شركة " سوبرام " الفرنسية الناشئة المتخصصة في إجراء تجارب لإنتاج اللحوم الاصطناعية " نظن أن اللحمَ المُستزْرَعَ في المختبرات يُشكل طريقةً ثالثة من أشكال الإنتاج ستسمح بتوفير البروتينات واللحوم التي تحتاج إليها الإنسانية على نحو ينعكس بشكل أفضلَ على البيئة. بل إن اللحمَ المُسْتزِرَعَ سيفتح بكل بساطة الطريق أمام نمط استهلاكي يقوم على الاستدامة على المدى الطويل".

اللحوم الاصطناعية غير مسرفة في استخدام الموارد الطبيعية

ومن أهم الحجج الأخرى التي يلجأ إليها المروجون فكرة استبدال اللحوم التقليدية التي يتم الحصول عليها عبر تربية الماشية بلحوم يتم إنتاجها في المختبرات أن الحصول على هذه اللحوم لا يحتاج إلى كميات كبيرة من الموارد المائية ولا إلى مساحات كبيرة بالإضافة إلى كون العملية تحد من بصمة الإنسان الكربونية عبر الانبعاثات الحرارية التي تتسبب في إنتاجها تربية الحيوانات التي نحتاج إلى لحومها.

هذا ما يلح عليه الناشط الأمريكي  بول شابيرو المدافع عن حقوق الحيوانات ومؤلف كتاب " اللحم النظيف" في إشارة إلى لحوم المختبرات. فهو يرى" أن كوكبَ الأرض لا تتسعُ رقعتُه. ولكنَّ نطاقَ بصمةِ الإنسان الكربونية على الكوكبِ هي اليوم بصدد الاِتساعِ. ومن العوامل التي يتسع نطاقها عبر هذه البصمة الكربونية تزايدُ استهلاك اللحوم. بل إن ما نستهلكه اليومَ من لحوم يتجاوز في حجمه كلَّ ما استهلكناه من قبلُ. ويقود كل ذلك إلى استغلال الموارد الطبيعية بشكل مُكثَّف. ولذلك فإنه أمامنا اليوم إمكانيةٌ لإنتاج لحوم تسمح بخفض كميات الانبعاثات الحرارية إلى حد كبير وباستغلال كميات   أقلَّ من الطاقةِ والمياه وعلى نحو يُتيح أيضا الِاعتمادَ على مساحات ترابية أقلَّ وتجنبَ مزيد من القسوة تُجاه الحيوانات. علينا أن نكون منفتحين على هذا الشكل من أشكال الحلول المطروحة لمشاكل التغذية حتى نستطيعَ الصمودَ أمام مرحلة التغير المُناخي والتي نحن بصدد الانخراط فيها اليوم".

أبقار في المعرض الزراعي الباريسي  الدولي عام 2019
أبقار في المعرض الزراعي الباريسي الدولي عام 2019 © (حسان التليلي)

اللحوم الاصطناعية والشفافية وآلام الحيوانات

يتضح مما سبق أن المدافعين بشراسة عن هذه اللحوم يرون أنها صديقة للصحة باعتبار أن عملية تصنيعها تحتاج إلى مراقبة صارمة بدءا من أخذ الخلايا التي يراد تنميتها في المختبرات ومرورا بتغذيتها داخل المختبرات ووصولا إلى وضعها في صحون المستهلكين.

وهم يقولون أيضا إن إنتاج اللحوم بالطرق التقليدية مسرف في استهلاك الموارد الطبيعية وفي صدارتها الموارد المائية نظرا لأن إنتاج كيلوغرام واحد من لحوم الأبقار التي تربى يتطلب استخدام 15 ألف لتر من الماء. أما اللحم الاصطناعي فإن الحصول عليه لا يحتاج إلى مراع  وإلى كميات كبيرة من المياه ولا ينتج انبعاثات حرارية مصدرها الميثان أساسا على عكس ما هي عليه الحال في ما يتعلق بتربية الأبقار.

أضف إلى ذلك أن مشكلة انعدام الشفافية على مستوى العملية الإنتاجية لا تُطرح في ما يخص لحوم المختبرات كما يقول دييديه توبيا أحد مؤسسي شركة " أليف فارمس" المتخصصة في إجراء تجارب لإنتاج هذه اللحوم. «إن مسألةَ الشفافية أمر مهم جدا في ما يتعلق باللحوم المُستزرَعة. فكلُّ مرحلة من مراحل الإنتاج تخضع للرقابة. وبالتالي فإن ذلك يسمح لنا بمعرفة خاصيات المُنتجات التي نُصَنِّعها بشكل شفاف كأحسنَ ما تكون الشفافيةُ بالنسبة إلى كل مرحلة من هذه المراحل".

والحقيقة أن أحد العوامل الأخرى التي يركز عليها المدافعون عن فكرة استبدال اللحوم التقليدية المعدّة للاستهلاك بلحوم اصطناعية يتمثل في كون هذه اللحوم التي لاتزال عموما في طور التجارب حتى الآن توفر على الحيوانات كثيرا من الآلام عند الذبح لأنه لا حاجة بنا في المستقبل إلى ذبح الحيوانات للاستفادة من لحومها نظرا لأن المختبرات هي التي ستوفر هذه اللحوم.

الوجه غير المضيء في اللحوم المزروعة

ولكن من يطلع عن كثب على التجارب الحالية التي يُراد من ورائها إنتاج لحوم اصطناعية، يهتدي إلى أن جزءا من الأغذية التي تنمى بواسطتها هذه اللحوم متأت من أمصال جنينية لدى الأبقار التي يتم ذبحها خصيصا للحصول على هذه الأمصال.

والواقع أن أصحاب الشركات الناشئة التي تُجري تجارب لإنتاج اللحوم المزروعة أو العاملين فيها يُقِرُّون فعلا بوجود هذه المشكلة، ولكنهم يلفِتون الانتباه إلى أنهم جادون اليوم في المساعي الرامية إلى استبدال هذه الأمصال الجنينية بمواد أخرى تجنب الحيوانات الألم.

هذا ما تشدد عليه  سارة لوكا المشرفة على العمليات في مؤسسة " موزا ميت " المتخصصة في البحث عن بدائل للحوم الحيوانات التقليدية. "نحن نلجأ إلى استخدام طريقة تحتوي على عناصِرَ مُكوَّنةٍ من السكر والفيتامينات والمعادنِ وتسمح لخلايا اللحم المُستزرَع بالنمو دون أن يتسبب ذلك في ألم شبيه بذلك الذي تُحس به الحيوانات عندما نرغب في الحصول على لحومها".

وإذا كانت للمدافعين عن اللحوم الاصطناعية التي لاتزال في طور التجارب حجج متعددة يعتمدون عليها ليقولوا إن لهذه اللحوم مستقبلا في صحون المستهلكين، فإن المتحفظين عليها لديهم بدورهم حججهم ومنهم على سبيل المثال جان فرانسوا هوكيت مدير الأبحاث في المعهد الوطني الفرنسي للأبحاث الزراعية.

فهو يرى أن اللحوم الاصطناعية لا تستحق فعلا أن تسمى " لحوما". ويبرر ذلك فيقول: " ثمة مساران لا يتم أخذُهما بعين الاعتبار عندما يتعلق الأمرُ باللحوم الاصطناعية. فعمليةُ نُضج هذه اللحوم لا تُؤخذ في الحُسبان قبل كل شيء. وأُذكِّر بأن هذه العملية هي مسارٌ طبيعي يسمح للعضَلة بأن تصبح ليِّنةً وبأن تتحولَ إلى لحم. زد على ذلك أن اللحم الحقيقي أو العضلة َ الحقيقية لا يتركبان من أليافٍ عَضلِيّة فحسب بل أيضا من أعصاب وأوعية دموية وخلايا ومادة دُهنية. وهذه العناصر هي التي تعطي اللحمَ مذاقَه. والواقع أن الباحثين في المركز الوطني الفرنسي للأبحاث الزراعية ينظرون إلى اللحوم الاصطناعية باعتبارها أليافا عَضَلية أو بروتيناتٍ حيوانية أكثر مما يتعاملون معها باعتبارها   لحوما حقيقية".

على غرار جان فرانسوا هوكيت الباحث في المعهد الوطني الفرنسي للبحوث الزراعية، يرى المتحفظون عل فكرة الاستمرار في التجارب الرامية إلى استبدال اللحوم التقليدية التي يستهلكها الإنسان بلحوم اصطناعية يتم إنتاجها في المخابر أن هذه اللحوم ألياف عضلية أو بروتينات حيوانية ليس إلا.

وهم يقولون أيضا في السياق ذاته إن الحجة التي يقول أصحابها بموجبها إن اللحوم الاصطناعية صديقة للبيئة مردودة على الذين يروجون لها لأن عدة أبحاث علمية أثبتت عكس ذلك.

هذا مثلا حال بحث أجرته جامعة أوكسفورد البريطانية وخلص واضعوه إلى أن انعكاسات إنتاج اللحوم الاصطناعية على البيئة على المدى الطويل أكثر ضررا مما هي عليه عملية إنتاج لحوم عبر تربية الماشية. فصحيح أن غاز الميثان الذي يتسرب إلى الجو من خلال تربية الأبقار أشد وطأة على الجو بخمس وعشرين مرة ما هو عليه غاز ثاني أكسيد الكربون المتولد عن إنتاج اللحوم الاصطناعية. ومع ذلك، فالنماذج الرياضية التي وُضعت بشأن انبعاثات الميثان تخلص إلى أنها أقل ضررا من انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون لأنها تزول من الجو بشكل أسرع بكثير مما هي عليه انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون. ومن ثم فإن بقاء ثاني أوكسيد الكربون في الجو لمدة أطول يتسبب على المدى الطويل في أضرار أخف من تلك التي يتسبب فيها غاز ثاني أوكسيد الكربون.

كل هذا يدعونا مجددا إلى طرح سؤال جوهري هو التالي: ما مستقبل اللحوم الاصطناعية في صحون المستهلكين؟

مختصر الرد على هذا السؤال انطلاقا مما سبق هو أن المعركة لا تزال مستمرة على أَشُدِّها بين الذين يقولون إنه لا مستقبل لهذه اللحوم لأسباب كثيرة منها ارتفاع تكلفة الإنتاج وعدم رغبة المستهلكين في استبدال اللحوم الحالية والضبابية المستمرة حول طرق الحصول عليها من جهة وبين الذين يقولون من جهة أخرى إنه لا مفر للإنسان من لحوم المختبرات لاعتبارات كثيرة منها أن الإنسان غير قادر على الصمود أمام نتاج البحث العلمي والتكنولوجي والابتكار أيا تَكُن انعكاساته السلبية.

 

 

 

 

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم