صحتكم تهمنا

استحالة الشفاء تبخّرت من واقع مرض "ابيضاض الدم اللمفاوي المزمن"

سمعي
ابيضاض الدم اللمفاوي المزمن
ابيضاض الدم اللمفاوي المزمن © فليكر (Ed Uthman)

تتعدّد سرطانات الدم ونخاع العظم ولكنّ إحداها هو "سرطان ابيضاض الدمّ اللمفاوي المزمن" الذي يتطوّر ببطء كبير بالمقارنة مع سائر أنواع سرطانات الدمّ الأخرى. 

إعلان

يشير مصطلح "اللمفاوي" في سرطان الدمّ اللمفاوي المزمن إلى فئة الخلايا المتضرّرة التي تكون هنا "اللمفاويّات"، أي خلايا الدمّ البيضاء Lymphocytes B، تلك الخلايا المناعية التي تُنتج أجساما مضادّة لمكافحة العدوى.

يتمّيز "سرطان ابيضاض الدمّ اللمفاوي المزمن" بانتشار غير طبيعي ضمن الدمّ لخلايا الدم البيضاء التي تعتريها الخصائص التالية :

- لا تكون خلايا خبيثة وفتيّة (أوّليّة) كما تكون عليه الحال في سرطانات الدم الحادّة الأخرى إنَّما تكون خلايا كاملة النموّ (ناضجة).

- لا يكون بمقدورها صناعة أجسام مضادّة

- تتراكم في الدم دون إمكانية القضاء على خباثتها، ممّا يورّط صحّة الانسان بتعقيدات خطيرة.

قلّما يتأتّى سرطان ابيضاض الدم اللمفاوي المزمن ما دون عمر الأربعين. بفارق بسيط، يطال هذا المرض الرجال أكثر من النساء وتتضاعف خطورة اندلاع المرض 30 مرّة أكثر بدءا من عمر 70 عاما، لتصبح هذه الخطورة مضاعفة 45 مرّة أكثر بدءا من عمر 80 عاما.

تظلّ الأسباب التي تورّط بابيضاض الدمّ اللمفاوي المزمن غير معروفة بوضوح لكنّها مرتبطة عموما بعوامل الشيخوخة والتقدّم في السنّ. كلّ ما اتّضح للأطبّاء هو أنّ طفرة جينيّة تحدث ضمن الحمض النووي للخلايا المنتجة للدمّ. تؤدّي هذه الطفرة إلى جعل خلايا الدمّ تنتج خلايا لمفاوية بيضاء ليست طبيعية وليست فعّالة على صعيد إنتاج الأجسام المضادة اللازمة للجهاز المناعي.

في 8 حالات من أصل 10، لا تظهر أيّة أعراض على الإنسان المُتعايش مع إصابة بابيضاض الدمّ اللمفاوي المزمن. يُكتشف سرطان ابيضاض الدمّ بالصدفة عقب إجراء فحص للدمّ، كان فيه عداد الخلايا اللمفاوية البيضاء في الدمّ يفوق 5500 بالملليمتر مكعّب. عند هذه المرحلة الأولى، يوضع التشخيص.

تظهر فقط على 20% من حالات الإصابة بهذا المرض أعراض سريرية من قبيل : التضخّم الجليّ للغدد اللمفاوية بدون ألم، تضخّم الكبد مع أو بدون تضخّم الطحال في المرحلة الثانية من تقدّم المرض.

قد تصل أعراض المرض في المرحلة الثالثة إلى ضيق في التنفّس على صلة بفقر الدم لأنّ الخلايا اللمفاوية الخبيثة تخنق نقيّ العظم، ذلك المكان حيث تُنتج خلايا الدم الحمراء. جرّاء هذا الأمر، يترافق فقر الدم في غالب الأحيان مع نقص في الصفائح الدموية.

نلفت هنا إلى أنّ بعض الأفراد المصابين بابيضاض الدم اللمفاوي المزمن قد يشعرون ببعض العلامات العامّة كالحمّى والإرهاق الجسدي وخسارة الوزن بشكل كبير قد يصل إلى نسبة 10% من الإجمالي العامّ.

لا تتسبّب الزيادة المفرطة والمزمنة للخلايا اللمفاوية البيضاء، في 7 حالات من أصل 10، بمشاكل صحّية. هذه الفئة المُتعايشة مع ابيضاض الدم لا تحتاج للعلاجات لكن يلزمها كلّ 3 أشهر، إجراء الفحوصات الدورية طيلة السنتين الأولتين، على أن تتباعد لاحقا الفحوصات عن بعضها البعض.

في 3 حالات من أصل 10، يتطوّر مرض ابيضاض الدم اللمفاوي المزمن ليهدّد في النهاية أمل العيش بعدما يكون ورّط الإنسان بثلاث مشاكل صحيّة :

١- الإصابة بمرض مناعي-ذاتي (نقص الصفائح الدموية، فقر الدمّ الانحلالي hemolytic anemia) يتميّز بأنّ الأجسام المضادة في جهاز المناعة تهاجم كريات الدم الحمراء أو الصفائح الدموية كأنّها أجساما غريبة ودخيلة على الجسم.

٢- حصول التهابات شرسة في بعض الأعضاء الحيوية كالرئتين والكلى والمجاري البولية وأجهزة الأنف والأذن والحنجرة. (المتابعة الدورية مع الطبيب الاختصاصي بأمراض الدمّ تمنع تردّي الوضع الصحّي)

٣- نموّ أورام خبيثة صلبة على وجه الخصوص ضمن الرئتين وضمن القولون بسبب ضعف المناعة.

تختلف العلاجات الحالية لداء ابيضاض الدم اللمفاوي المزمن Chronic Lymphocytic leukemia من إنسان صغير في السنّ إلى كبير في العمر. يكون العلاج الكيميائي الوريديّ-المقترن بجسم مضادّ وحيد النسيلة Anti-CD20 صالحاً لأولئك الأفراد من صغار العمر الذين لا يشكون من مجموعة أمراض مشتركة. يقتل العلاج الكيميائي الخلايا اللمفاوية البيضاء غير الطبيعية بعد حصول صغار السنّ على 4 أو 6 جلسات كيميائية متباعدة عن بعضها البعض فترة شهر كامل.

أمّا كبار السنّ المصابين بابيضاض الدمّ فيحتاجون إلى علاج كيميائي-فمويّ أقلّ عدوانيّة من العلاج الكيميائي الوريديّ. يعتمد هذا العلاج على أقراص دواء Chlorambucil.

لا يتجاوب مع العلاج الكيميائي الوريدي المصابون بابيضاض الدمّ الذين يفتقرون إلى وجود الجين P53 على الكروموزوم 17. هؤلاء يلزمهم دواءً فموياً   يكون مضادا لأنزيم BTK.

حديثا، ظهر مضاد أنزيمي جديد بدّل النظرة إلى العلاجات وقَلَب معاييرها رأسا على عقب. يُطلق على هذا المضاد الأنزيمي الذي يتميّز بفعاليّة علاجية عاليّة تسمية : "Anti-BCL2". حينما يُعطى هذا المضاد الأنزيمي بالتزامن مع توليفة دوائيّة تضمّ المضاد الأنزيمي BTK والجسم المضاد وحيد النسيلة "Anti-CD20"، تختفي مظاهر المرض بشكل كامل، لتحصل الهدنة الشفائية التي تدوم حاليا فترة 5 سنوات، هدنة يُشبّهها بعض مرضى ابيضاض الدم اللمفاوي المزمن بالشفاء التامّ.

ضيفة الحلقة الدكتورة سناء أملال، استشاريّة أمراض الدمّ والأورام السرطانية في مدينة القنيطرة في المغرب.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم