قرأنا لكم

رواية "الخلل" الفائزة بالغونكور أو فن الغوص في العوالم الموازية

سمعي
الكاتب هيرفي لوتيليي وروايته الفائزة بالجائزة
الكاتب هيرفي لوتيليي وروايته الفائزة بالجائزة © ©فيسبوك (Librairie Kléber Salle Blanche)

نخصص حلقة هذا الأسبوع من برنامج "قرأنا لكم" للرواية الفائزة بجائزة غونكور الفرنسية هذا العام وهي رواية "الخلل" « L’anomalie » للكاتب هيرفي لوتيليي التي يقترح فيها على القراء حكاية محبوكة بمكر وإتقان انطلاقا من حدث مستحيل تدور أحداثه في طائرة من نوع بوينغ 787 تقوم برحلة بين باريس ونيويورك في العاشر من مارس 2021. تتعرض هذه الرحلة وركابها الى عاصفة ثلجية عنيفة. وبعد أوقات عصيبة تتدحرج فيها الطائرة وتهوي بين الثلوج والرياح الهوجاء تحط بأعجوبة من دون أن يتعرض ركابها للأذى. حتى هنا يبدو الحدث شبه عادي في عالم الطيران والرحلات الجوية. لكن ما سيقع سيتجاوز حدود المنطق ويحلق في دنيا الخيال والعجائب طارحا أسئلة الهوية والذات والآخر. ذلك أن نفس الطائرة ونفس الركاب سيحطون في قاعدة عسكرية في نيوجرزي في 24 يونيو 2021 وهذا ما سيصيب العالم بعلمائه وسياسييه وزعمائه الدينيين بالذهول والهلع. وتزداد الرواية غرابة حينما يلتقي ركاب الرحلة الأولى بأمثالهم من ركاب الرحلة الثانية، أي بمعنى آخر أن الركاب سيلتقون بأنفسهم واحدا واحدا في مواجهة لا تحدث سوى في أدب المعجزات والخيال العلمي.

إعلان

انطلاقا اذن من هذه الفرضية العجائبية يؤسس الكاتب لعالم مطرز بمزيج من الأجناس الأدبية المتنافرة حيث يتجاور الخيال العلمي مع النّفَس البوليسي والوصف الواقعي مع البناء النفسي. أيضا هناك حرص على استعراض للأساليب المتنوعة فتارة يجد القارئ نفسه تارة أمام نص بأسلوب واقعي دقيق ثم ينتقل الى نص آخر يغلب عليه الاسترسال العاطفي أو البُعد الساخر والتهكمي. ومن اللافت كذلك أن الرواية تبدو، من زاوية سردية، مكتوبة وموضبة وكأنها سيناريو جاهز لفيلم سينمائي أو مسلسل تلفزيوني وتمنى الكاتب نفسه في احدى حواراته بعد فوزه بالجائزة أن تتحول في القريب الى فيلم سينمائي. 

واختار لوتيليي شخصيات الركاب بعناية مع الحرص على تنوعها. فهناك شخصية القاتل المحترف وهناك الكاتب المحبط والمحامية العنيدة والربان المصاب بالسرطان والمهندس المعماري الستيني الموله بشابة متخصصة في التوضيب السينمائي ومغني نيجيري مثلي الجنس وفتاة مهووسة بضفدعتها الصغيرة. كل هذه الشخصيات المتفردة ستجد نفسها وجها لوجه مع نفسها... ولن نحكي لكم طبعا البقية حتى لا تضيع الرواية ويزول التشويق. ومن خلال هذا المعمار الروائي العجائبي يتيح الروائي للقارئ الولوج الى العوالم الحميمية لشخصيات الروائية المتنوعة التي تجد نفسها في مواجهة ماضيها وأسرارها وأحلامها المتحققة منها والمجهضة. 

في هذه الرواية استطاع الكاتب أن يقترح نصا يصالح بين تطلعات القارئ الصارم المتوفر على ذائقة أدبية معينة والقارئ المنتمي للجمهور العريض الذي يتوخى الاستمتاع بالحبكة والشخصيات. 

هيرفي لوتيليي يبلغ ثلاثة وستين عاما من العمر وبعد دراسته للرياضيات والفيزياء واللسانيات اشتغل في مجال الصحافة العلمية ثم تفرغ للأدب. نشر العديد من الروايات منها ""اختفاء بيريك" و"كفى من الحديث عن الحب" و"الحكايات السائلة" و"العائلات السعيدة" وهي الرواية ما قبل الأخيرة. وحازت روايته "فرانسوا ميتران وأنا" على جائزة الفكاهة السوداء عام 2013. أيضا كتب لوتيليي الشعر والقصة وله تجارب مسرحية. 

وكل كتاب وأنتم بخير...        

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم