قرأنا لكم

ديستانغ الرئيس والكاتب

سمعي
الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان
الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان © أ ف ب

نخصص حلقة هذا الأسبوع من برنامج "قرأنا لكم" للرئيس الفرنسي الراحل فاليري جيسكار ديستانغ الرئيس الذي حلم دوما بأن يصير كاتبا هو الذي اشتهر بثقافته الموسوعية والكلاسيكية وهو ما حققه فعلا بعد أن خلف وراءه خمسة عشر كتابا وإن كانت أغلبها كتب عن السياسة وقليل منها تنتمي لفن الرواية، وآخرها رواية لم يمهله عمره الطويل لنشرها قيد حياته وسترى النور قريبا في المكتبات الفرنسية تحت عنوان "بعيدا عن ضوضاء العالم" وهي رواية يتحدث فيها عن رئيس لمجلس الشيوخ يعتزل السياسة ويرحل الى الأدغال الافريقية ليمارس هواية القنص. 

إعلان

والواقع أن فاليري جيسكار ديستانغ الذي اقتحم عالم السياسة ونجح فيها في ظرف وجيز وتبوأ منصب الرئيس ليصير آنذاك أصغر رئيس للجمهورية في سن 48 عام 1974 كان يخفي تحت جلده السياسي أديبا مهووسا بالكتابة. وبعد مرور أسابيع قليلة على انتخابه رئيسا للجمهورية وخلال حفل أقامته "مجلة العالَميْن" على شرفه فاجأ الحاضرين بمكاشفة غير متوقعة حين قال لهم: " إن طموحي الحقيقي هو طموح أدبي. لو كنت متيقنا من أنني أستطيع خلال عدة شهور أو سنوات كتابة ما يعادل كُتُب الأديب غي دو موباسون أو فلوبير لاعتكفتُ ونهجت مهنة الكتابة دون تردد."      

ورغم جسامة منصبه وانهماكه في إدارة سياسة البلاد انتزع ديستانغ القليل من وقته الشخصي ليكتب وينشر خلال ولايته الرئاسية عام 1976 دراسة بعنوان "الديمقراطية الفرنسية" كما حرص على المساهمة في البرنامج الأدبي الشهير "أبوستروف" الذي كان يذيعه الإعلامي والكاتب الشهير برنار بيفو وسرق الأضواء في حلقة كانت مخصصة للكاتب غي دو موباسون عام 1979 حين اكتشف الجمهور درايته الواسعة بأعمال هذا الكاتب وبالأدب الكلاسيكي الفرنسي بشكل عام.

وعند نهاية ولايته الرئاسية بعد هزيمته في الانتخابات عام 1981 أمام منافسه الاشتراكي فرانسوا ميتران وانسحابه المؤقت من العمل السياسي خصص ديستانغ جل أوقاته للقراءة والكتابة ونشر عام 1994 أو رواية له بعنوان "المعبر". وهي رواية عاطفية تتناول قصة حب بين موثق قضائي عجوز وشابة حسناء في مدينة محافظة. غير أن الصحافة الثقافية الفرنسية كانت قاسية في تعليقاتها على هذه الرواية حد الاستهزاء ما جعل الرئيس السابق يتساءل في حوار أجرته معه صحيفة "لوفيغارو" قائلا: "لماذا نرفض للسياسيين الولوج الى عالم الأدب؟" ورغم البرود والتجاهل الذي قوبلت به روايته الأولى لم يتردد الرئيس السابق في ترشيح نفسه لعضوية الأكاديمية الفرنسية وهي أرفع مؤسسة ثقافية فرنسية ونجح في ذلك بعد حصوله على تسعة عشر صوتا في الحادي عشر من ديسمبر عام 2003 ليحتل الكرسي الذي كان يجلس عليه الرئيس والأديب السنغالي الراحل ليوبولد سيدار سنغور وهو ما شكل اعترافا واضحا بموهبته الأدبية وليس فقط السياسية. 

وتوالت اصدارات الرئيس الذي تحول الى ضيف أليف في البرامج الأدبية والثقافية في وسائل الاعلام الفرنسية مستعرضا فصاحته وثقافته الأدبية الغزيرة. وعام 2009 خلق ضجة كبيرة بروايته الأميرة والرئيس التي تتناول قصة حب جارفة بين الأميرة البريطانية الراحلة ليدي ديانا ورئيس فرنسي سابق. فقد انبرت وسائل الاعلام الى النبش في حياته للعثور على آثار علاقة عاطفية مفترضة بينه وبين الأميرة الراحلة رغم أنه أكد مرارا أن الرواية محض خيال وأن معرفته بالأميرة كانت عابرة وتدخل في إطار العلاقات العامة. 

فاليري جيسكار ديستانغ كاتبا بعد أن كان رئيسا مسألة عادية في دول الغرب. فهناك العديد من الرؤساء الذين كانوا كُتابا في ذات الوقت وحتى إن لم يمارس بعضهم الكتابة الأدبية الصرفة فمن المعروف عن غالبيتهم الشغفُ بالأدب والكتابة وجلهم قراء كبار وهو ما يبقى استثناء لدى قادة وزعماء العالم العربي. 

وكل كتاب وأنتم بخير... 

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم