قرأنا لكم

ميشال ليريس... الكتابة والمجازفة!

سمعي
الكاتب الفرنسي ميشال ليريس في باريس عام 1960
الكاتب الفرنسي ميشال ليريس في باريس عام 1960 © أ ف ب

نخصص حلقة هذا الأسبوع من برنامج "قرأنا لكم" للكاتب الفرنسي الراحل ميشال ليريس الذي خطف الاهتمام مؤخرا في الساحة الأدبية الفرنسية بصدور طبعات جديدة متزامنة لبعض أعماله. ويتعلق الأمر بطبعة نقدية ومنقحة من كتابه "اليوميات" وثلاثة أجزاء من سيرته الذاتية "قواعد اللعبة" وكتاب يضم مراسلات تُنشر لأول مرة مع صديقه الكاتب مارسيل جونادو.

إعلان

صدور هذه الأعمال يسلط المزيد من الأضواء على سيرة ومسار هذا الكاتب المتميز الذي لم ينل ما يستحق من الشهرة والتقدير هو الذي خالط وارتبط بكبار الأسماء التي أسست لثقافة وأدب القرن العشرين. فعندما كان عمره عشرون عاما ارتبط بصداقة مع الفنانين ماكس جاكوب واندريه ماسون الذي انجز له الرسومات الداخلية لديوانه الشعري الأول الصادر عام 1925 بعنوان "محاكاة". ثم رافق رواد الحركة السوريالية وهي في بداياتها من خلال صداقته بمؤسسها اندريه بروتون وكان الشاعر السوريالي روبير ديسنوس واحدا من أصدقاءه المقربين.

ورغم انشغاله لاحقا بالكتابة في ميدان الاثنوغرافيا وتكريسه جزء كبيرا من وقته وحياته لكتابة السيرة الذاتية واليوميات فقد بقي مطبوعا الى الأبد بعشقه للشعر وميله الى الألعاب الشعرية التي تمرس عليها في مرحلته السوريالية.

غير ان ليرسي ما لبث أن ضاق ذرعا بالسورياليين ومعاركهم الصاخبة واتخذ مسارا آخر عندما تعرف على الكاتب جورج باطاي الذي شجعه على الغوص في الانتروبولوجيا والاثنولوجيا والثقافات البدائية. وكانت نقطة التحول في مسيرته الطويلة هوي مشاركته لمدة عامين بين عامي 1931 و 1933 في رحلة افريقية اثنولوجية بين داكار وجيبوتي ضمن مجموعة عمل استكشافية تمخض عنها كتابه الشهير "افريقيا الشبح " الذي أسس لاثنوغرافيا جديدة مبنية على تداخل الذاتي بالموضوعي. وكتب عن هذه التجربة التي شعر فيها بتضايق كبير من المنهجيات السائدة في مذكراته:"لتذهب الاثنوغرافيا الى الجحيم. من الصعب علي احتمال هذه المنهجية في البحث. اريد ان اكون جزءا من حياتهم وأشعر بطريقتهم في الاحساس بالوجود وأن أعيش حياتهم".

وبعد "افريقيا الشبح"انكب على مشروع آخر لا يقل أهمية ويذهب في نفس المنوال بعنوان "عصر الإنسان" يعكس انبهار ليريس بجذور الثقافة الافريقية القبلية ونشره عام 1939 للمرة الأولى ثم نقحه في طبعة ثانية عام 1946 مضيفا اليه مقالة تمهيدية نارية بعنوان "الأدب بوصفه مصارعة ثيران" يعتبر فيها ان الأدب بدون مخاطرة قاتلة ومجازفة ومجابهة مع الموت ليس أدبا حقيقيا وانما مجرد انشاء وبلاغة مملتين.

كان ليريس رحالة بالمعنى العميق للكلمة وعاشقا للسفر المرتبط بالكتابة فقد زار اليونان واسبانيا وايطاليا وامريكا والدول الاسكندنافية والصين واليابان وافريقيا السوداء وكل بلدان الشمال الافريقي والصين وكوبا ومصر التي زارها عام 1927 وجعلته يحس بقرف هائل من الثقافة الكولونيالية الاوربية.

عام 1969 كتب ليريس في مذكراته مسترجعا تجاربه السابقة: "اذا كان هناك من خصوصية بالنسبة لتجربتي فهي انني تبنيت منهج اللعب والتلاعب بالواقع. لقد مارست اللعب الأدبي الأكثر بعدا عن الواقع وأقصد باللعب تلك الممارسة المحفوفة بالمخاطر المباشرة، انه لعب يشبه لعب القمار الذي يتضمن خطر الافلاس وفقدان الحياة"

عاش ليريس حياة غريبة الاطوار طبعها الخوف من الموت وهو في عنفوان الشباب وهو الخوف الذي سكن كتاباته ويومياته ومذكراته الضخمة ذلك انه كان يكتب يوميا وظل يكتب حتى شارف على الموت بعد عمر مديد حتى انه بقي الكاتب الوحيد من جيله على قيد الحياة الى ان فارقها عام 1990 عن سن تناهز التاسعة والثمانين عاما.

وكل كتاب وأنتم بخير...

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم