قرأنا لكم

بودلير شاعر الشر والنثر

سمعي
الشاعر الفرنسي شارل بودلير
الشاعر الفرنسي شارل بودلير © ويكيبيديا

نخصص حلقة هذا الأسبوع من برنامج "قرأنا لكم" للشاعر الفرنسي شارل بودلير بمناسبة الاحتفاء بالذكرى المئوية الثانية لولادته في التاسع أبريل 1821 هو الذي توفي مبكرا في سن السادسة والأربعين عام 1867 بعد حياة قصيرة لكن كثيفة ومسرفة ومفعمة بالتجارب الوجودية والابداعية تمخضت عن تجربة شعرية رائدة رفعت السقف عاليا وأسست الحداثة الشعرية العالمية ودشنت ميلاد قصيدة النثر وأثرت ولا تزال في الأجيال الأدبية اللاحقة.

إعلان

بودلير الذي قال "بموهبتي المزعجة اريد أن تقف الانسانية برمتها ضدي" تعرض لهجوم عنيف من طرف حراس الأخلاق والدين وخضع ديوانه "أزهار الشر" للمحاكمة بتهمة انتهاك الأخلاق والاساءة للدين اثر حملة تشهيرية قامت بها صحيفة لوفيغارو وانتهت بمنع ست قصائد من الديوان وغرامة مالية رغم وقوف نخبة من كبار الأدباء في تلك الفترة بمساندته وعلى رأسهم فيكتور هوغو وجوستاف فلوبير.

كان بودلير شاهدا عن كثب على بزوغ الحداثة الأوربية والتقدم التقني والعلمي وعاش بنفسه تطور الصحافة الشعبية والفوتوغرافيا والمواصلات والطب وكان ينصت بدقة للتحولات الكبرى والطفرة الصناعية الهائلة التي غيرت المجتمع والمدن بشكل راديكالي مثلما نعيش نحن الآن بعد مئتي عام، بزوغ العهد الرقمي مع تطور الانترنيت وظهور وسائل التواصل الاجتماعي. وهو ايضا مخترع الحداثة في الكتابة وفي نفس الوقت كان يكن كرها شديدا لتأثيراتها وتداعياتها على الإنسان. والمفارقة الكبرى تكمن في انه كان من أوائل المستفيدين من التقدم التقني ونشر قصائده في الصحافة وكان شغوفا بالتصوير وفي نفس الوقت كان يهاجم ايديولوجية التقدم التي تواكب هذه الانجازات التقنية. لكونه يعتبر التقدم والتمدن والتطور المتسارع مسؤولين عن التقهقر الروحي وفقدان البراءة الانسانية. وتعرض بودلير لهجوم عنيف من طرف دعاة التقدم والرأسمالية ففي ذلك السياق، أي في منتصف القرن التاسع عشر كان التقدم ايديولوجيا مهيمنة ولم يكن من السهل الوقوف في وجهها مثلما فعل بودلير.

بودلير كتب بشغف وقوة مستلهما تفاصيل الحياة الباريسية اليومية والتقط انكسارات سكان المدينة مركزا على الهامش وقصصه المرعبة متحدثا عن الحب والجنس والخيانة والادمان والخيبة والضلال. يجسد بودلير أيضا الرومانسية السوداء والكآبة الوجودية التي باتت تشكل جزءا من الهوية الحداثية الجديدة وهذا ما عكسته بالاضافة الى قصائده الشعرية والنثرية في كتابي "سأم باريس" و"جنات مصطنعة" مقالاتُه النقدية ومقالاته الصحافية حول الفن التشكيلي وترجماته لنصوص الكاتب الأمريكي ادغار ألان بو الذي اكتسب شهرة عالمية بفضل ترجمة بودلير بعد أن كان شبه مجهول في أمريكا نفسها.

وكما كتب في احدى رسائله مستشرفا ما سيتحول لاحقا الى فن قصيدة النثر، آخر مراحل القصيدة الغربية الحديثة، "فمن من لم يحلم في أوج طموحه بمعجزة نثر شعري، موسيقى بلا ايقاع ولا قافية، سلسٌ ومتنافر بما يكفي للتوافق مع الحركات الغنائية للروح وتموجات أحلام اليقظة وانتفاضات الوعي"

عربيا كان الشاعر المصري ابراهيم ناجي أول من ترجم ديوان "أزهار الشر" وتلاه مترجمون كثيرون من مختلف بلدان العالم العربي وآخر من تصدى لترجمة الأعمال الكاملة لبودلير كان هو الشاعر المصري الراحل رفعت سلام ونشرتها دار الشروق في القاهرة.

بودلير الذي قال عنه معاصره فيكتور هوغو بأنه "خلق رعشة جديدة في الشعر الفرنسي" وبأن "قصائد "أزهار الشر" تتألق وتبهر كالنجوم" ما يزال يبهر ويزعج وكتاباته لا تتقادم بقدر ما تتوهج وتلهم أكثر فأكثر.

وكل كتاب وأنتم بخير...

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم