قرأنا لكم

باتريك بويسون أو امبراطورية الفراغ

سمعي
باتريك بويسون
باتريك بويسون AFP - MIGUEL MEDINA

نخصص حلقة هذا الأسبوع من برنامج "قرأنا لكم" للكاتب والسياسي الفرنسي باتريك بويسون وكتابه الأخير "نهاية عالم" الصادر مؤخرا عن دار "فيرتيكال" للنشر. وهو كتاب يندرج في خانة مد فكري فرنسي ينظر لفكرة الانحطاط والانهيار التي تروج لها مجموعة من المفكرين والكُتاب المقربين من دوائر اليمين القومي الفرنسي في السنوات الأخيرة وتلقى صدى واسعا في السياق الفرنسي الراهن.      

إعلان

في هذا الكتاب يعود بويسون الى الفترة التي يطلق عليها الفرنسيون تعبير « Les trentes glorieuses » " التي شهدت ازدهارا اقتصاديا واجتماعيا هائلا ما بين سنوات 1960 و 1975 مع انتشار نمط العيش الاستهلاكي والصعود اللافت للطبقات الوسطى. ويرى الكاتب العكس تماما ويعتبر هذه الفترة فاتحة لما يسميه بالانحطاط والتدهور الذي يعتري العصر الراهن حسب تحليله. وينطلق بويسون من فرضية تعتبر بأن فرنسا وإن هي لا تزال في مصاف الأمم المتقدمة تعيش عصر الانحطاط على المستوى الروحي مع تراجع الديانة المسيحية وانهيار الأيديولوجيات الكبرى التي طبعت القرن الماضي وانتصار الليبرالية المتوحشة والاستهلاك المفرط. لنستمع اليه متحدثا عن هذه الفرضية مستعرضا أفكاره:       

"طبعا في تلك الفترة ما بين 1960 و 1975 ربحنا تطورا تقنيا وتكنولوجيا هائلا لكن في المقابل، ما فقدناه لا يمكن مقاربته من وجهة نظر تقنية لأن له علاقة بالروابط الإنسانية والروحية والاجتماعية. لقد فقدنا مجتمعا كانت فيه قوة الجماعة وحرارة الروابط الاجتماعية التي يتم نسجها في المقاهي والبارات والحفلات والكنائس وتحولنا الى مجتمع فرداني كل شخص يهتم بنفسه. كما أننا فقدنا جميع القيم التي بُني عليها الرابط الجماعي مثل التعاون ومساعدة الآخرين والصالح العام والخفة والبهجة وحتى الحياء فقدناه بعد أن دهسته الثورة الجنسية. باختصار لقد فقدنا كل ما كان يمنح الملح والمعنى للحياة. 

في الماضي كانت هناك ثلاثة آليات تمنح المعنى للمجتمع الفرنسي وهي الدين المسيحي الكاثوليكي والاحساس القومي بفكرة الوطن والشيوعية التي كانت تبشر بالثورة عبر البروليتاريا وشكلت أيديولوجيا جماعية قوية. جميع هذه الآليات التي كانت بمثابة أعمدة تمنح الفرنسيين أسبابا وجيهة للحياة والفناء وتجمع شمل الناس اختفت الآن. وحين تختفي الأعمدة لا مناص من انهيار البُنيان. وهذا ما حدث لنا بالضبط. يجب أن نفهم الكارثة التي حلت بنا. نحن مجتمع يعاني من الفراغ ويفتقد للمعنى.  وهذا ما ظهر بوضوح خلال جائحة كورونا مع ارتفاع نسبة استهلاك المسكنات والمخدرات وانتشار الأزمات النفسية. فغياب المعنى هو ما يؤزم الناس ويدفعهم للاكتئاب وحتى الانتحار.

لقد عشت في تلك المرحلة وكان لدي إحساس بانهيار ما في طور الوقوع. كان هناك قتل منهجي للطقوس الكاثوليكية الشعبية التي كانت تجمع بين المسيحيين البسطاء ما ترتب عنه اختفاء تدريجي لكل شيء يتعلق بالإيمان الديني. وجاءت الثورة الجنسية والتحررية وقانون اباحة الإجهاض وانتشار حبوب منع الحمل لتكتمل سلسلة الانهيار التي أصابت النمط العائلي في مقتل ونصير مجتمعا استهلاكيا لا مكان فيه سوى لقيم المال والاستهلاك والمظاهر."

يلقي بويسون باللائمة على مجمل النخبة السياسية الفرنسية رغم أنه حتى عهد قريب كان واحدا منها حين كان يشغل منصب المستشار السياسي للرئيس السابق نيكولا ساركوزي ويعتبر أهل اليمين واليسار والوسط مسؤولين عن تدهور الأوضاع الفرنسية بنهجهم لسياسات اجتماعية واقتصادية ساهمت في اضعاف قيم الأمة الفرنسية خاصة فيما يتعلق بفتح أبواب البلاد أمام المهاجرين منذ فترة الستينيات من القرن الماضي والعجز عن احتواء هؤلاء في اطار سياسة اندماجية و"انصهارية" ما فسح المجال لظهور جالية مسلمة تتبنى قيما تتعارض مع مبادئ الجمهورية حسب رأيه. ويرى بويسون ان الاندماج لم يكن مطروحا كمعضلة اجتماعية في الستينيات مثلما هو مطروح بحدة في الوقت الراهن. 

والواقع أن باتريك بويسون المعروف بتعاطفه مع طروحات اليمين المتطرف خلق المفاجأة في تصريحات اعتبر فيها بأن المرأة المسلمة هي الأكثر احتراما في العالم. وبإنه يحترم المرأة المحجبة أكثر من احترامه لفتاة بملابس غير محتشمة ولو كانت في الـ 13 من عمرها حسب قوله. كما أنه حذّر السياسيين من حربهم ضد الإسلام، ودعاهم لعدم الانسياق خلف الحملة الصليبية لأن الإسلام ليس هو المشكلة الرئيسية لفرنسا بل هو كاشف لعيوبها لا غير.

وخلافا لكاتب آخر مثل ايريك زمور الذي يرجع كل مشاكل فرنسا الى الإسلام يرى بويسون بأن الاشكال الذي تواجهه فرنسا هو الهجرة وليس الإسلام. وبأن سياسة عقلانية للحد من تدفق المهاجرين هي الحل للخروج من أزمة الضواحي فيما يجب انتهاج سياسة منفتحة اتجاه الإسلام كعقيدة دينية تدخل في اطار حرية المعتقدات. 

وكل كتاب وأنتم بخير...

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم