قرأنا لكم

محـمد لـفـتـح.. نيـزكٌ أدبيٌ مغـربي

سمعي
الروائي المغربي محمد لفتح
الروائي المغربي محمد لفتح © فيسبوك

نخصص حلقة هذا الأسبوع من برنامج "قرأنا لكم" للكاتب المغربي الراحل محمد لفتح الذي سيبقى لغز الأدب المغربي المعاصر باللغة الفرنسية وإن تم تسليط الضوء عليه وعلى أعماله عام 2008 تاريخ وفاته في القاهرة حيث اكتشف القراء رواياته التي أصدرتها دار "لا ديفرانس" (La Différence) الفرنسية.

إعلان

ينحدر لفتح من جذور اجتماعية متواضعة من بلدة سطات المغربية قرب الدارالبيضاء. وقضى عشرين عاماً من دراسته في فرنسا، ثم عاد إلى المغرب بدبلوم مهندس في الأشغال العامة ثم أمضى قرابة عقدين من الزمن مشتغلاً في مهنة المعلوميات، قبل أن ينتقل إلى الصحافة الثقافية في منابر «فاترة» ولمدة قصيرة. كل هذه معطيات لا تلقي ما يكفي من الضوء على شخصية هذا الرجل المُلغزة، وعلى قدره الأدبي الغامض.

لقد أصدر لفتح روايته الأولى «آنسات نوميديا» عام 1992 عن دار «لوب» في باريس، وكان يبلغ 56 عاماً. ليكتشف القرّاء والمهتمّون نصاً متيناً وصادماً، في الاتجاه المعاكس تماماً لنصوص الأدب الفرنكوفوني المغربي. إذ إنّ الرواية تحكي بلغة شعرية كثيفة وأسلوب شخصي قصة ماخور في مدينة الدار البيضاء.

رواية فيها الكثير من الإنسانية، والكثير من الغضب أيضاً، يمزج فيها لفتح ببراعة، في وصفه لعوالم المومسات وزبائنهن، بين وضاعة القدر ونبل السريرة من دون الانزلاق في مطب الرؤية الأخلاقية، وما قد توحي به من شفقة أو تباكٍ.

وعلى الرغم من أنّ الرواية متجذرة في عوالم الدار البيضاء السفليّة، وليلها العنيف والمجنون... وتتحدث عن شخصيات تعيش في سياق السياحة الجنسية، فقد تعالى لفتح بنصه عن الجذر الواقعي، وخلق عالماً حلمياً وخلاسياً يختلط فيه مجون «ألف ليلة وليلة» ببذخ الميثولوجيا اليونانية. نبيذ الآلهة بتمر الصحراء العربية...

ولا أحد يعرف بعدها، ماذا دار في رأس لفتح الذي كان يقيم حينذاك في باريس. هل أصيب بالخيبة بسبب الاستقبال الفاتر لروايته إعلامياً ونقدياً؟ هل أصيب بالقرف من باريس وظروف عيشه الصعبة؟ لا أحد يدري.

لكنّ المؤكد أنّ الكاتب المغربي «المغمور» آنذاك قرّر بعد «آنسات نوميديا» التوقف عن النشر لسنوات طويلة على الرغم من استمراره المحموم في الكتابة. وبقي لفتح على هذه الحال إلى أن أعادت اكتشافه دار «لا ديفيرانس» تحت إلحاح الكاتب المغربي سليم جاي، ونشرت له ــــ بدءاً من عام 2006 ـــ ست روايات متتالية: «سعادة الهضاب»، «عنبر أو تحولات الحب»، «وردة في الليل»، «تحت الشمس ونور القمر»، «شهيد من زمننا» و«طفل الرخام».

كان لفتح على معرفة واسعة بالعالم الثقافي المغربي، لكن يبدو أنّ أصوله الطبقية المتواضعة أو ربّما انتماؤه إلى ثقافة «هامشيّة» مترسّخة فيه، جعلته ينفر من مخالطة نخبة الأدباء «الفرانكفونيين» ومثقفي البعثات الفرنسية. إلا أنّ لفتح كان واعياً مهمة الأدب ودوره، وهذا ما عبّر عنه في ورقة قرأها ضمن ندوة نظمها «اتحاد كتّاب المغرب» عام 2005 عن «الأدب والهجرة».

قال يومذاك إنّ الرواية عملٌ ضد البربرية، وكل أشكال «التحجر الديني والايديولوجي». أسلوبه العاصف، دوماً على شفير الهاوية، بين الحلمية والواقعية، وضعه في موقف حرج تجاه القارئ المفترض، سواء كان مغربياً أو عربيا أو فرنسياً، لأنّ مغربه مغرب شخصي جداً نابت من الضلوع، ومن موقفه الرافض للعالم.

وأيضاً، ــ وهذه ميزة أخرى تُسجَّل له ــ لأنّه تشبّع من كلاسيكيات الأدب الغربي، وتماهت ذاكرته الإبداعيّة إلى أقصى الحدود، مع هذا المخزون الذي نهل منه بقوة وكثافة. وهذا ما سجلته الناقدة الفرنسية جوزيان سافينو، في ملحق الكتب في صحيفة «لوموند» الفرنسية ــ إذ أدهشها لفتح بقوّة جملته ومتانة سرده ومعجمه الكلاسيكي.

«إنّني أبحث عن جمال معيّن في القبح» صرّح ذات مرة في أحد حواراته النادرة، متماهياً مع الكاتب الفرنسي جان جينيه الذي كان يعزّه بشكل خاص. وهذا ما عكسته رواية Au bohneur des limbes التي قبعت في أدراج زوجته السابقة في باريس لمدة 13 عاماً قبل أن تنقذها ابنته من النسيان. رواية تحكي عن بار في الدار البيضاء «الدون كيشوت»، وعن سارد يقضي نهاره في الحانة برفقة وردة المغربية وسولانج اليهودية، غارقين في حديث طويل عن أجمل مقاطع الكتب الربانية المقدسة.

كتب لفتح من عالمه، ضد العالم، بمهنيّة الفنان وصرامة الديكتاتور. كلما كتبَ، كاد «يتقيّأ أمعاءه» تشهدُ عليها لغته الكثيفة والمتوتّرة والعصيّة ــ للأسف ــ على الترجمة بأمانة ودقّة إلى اللغة العربية. وربما هنا تكمن مفارقة لفتح، وسر عبقريته الأدبية. إنها كتابة مغربية قحة بالفرنسيّة. كتابة نشم فيها عرق شخصيات الشوارع المغربية الشعبية. نلمس فيها شرخ الكائن الذي يعيش الحياة من دون أدنى قدرة على تغييرها.

وإذا كانت للفتح قرابة ما في الأدب المغربي أو العربي المكتوب بالفرنسية فهي، أولاً وأخيراً، مع الكاتب المغربي الراحل محمد خير الدين الذي يشبهه في كل شيء. المرارة البنيوية نفسها، الجهد الخارق نفسه من أجل كتابة جملة قصيرة، والعذاب نفسه في الدنيا قبل الآخرة.

وكل كتاب وأنتم بخير...

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم