قرأنا لكم

جيم هاريسون: الشاعر الذي تحوّل إلى نهر لا يوجد في أي خريطة

سمعي 04:44
غلاف الترجمة الفرنسية لكتاب "البحث عن الأصيل، الحب والروح والأدب"
غلاف الترجمة الفرنسية لكتاب "البحث عن الأصيل، الحب والروح والأدب" © مونت كارلو الدولية

نخصص حلقة هذا الأسبوع من برنامج "قرأنا لكم" للكاتب الأمريكي الفذ جيم هاريسون الذي توفي عام 2016 بمناسبة صدور الترجمة الفرنسية لكتاب "البحث عن الأصيل، الحب والروح والأدب" وهو كتابٌ جمّع فيه الناشر مختارات من مقالات متفرقة كان هاريسون نشرها في مجلات متنوعة مثل "ذو نيويوركر" و"اسكواير" و"بلاي بوي" إلخ… ولم يسبق أن نُشرت مجموعة في كتاب مستقل.

إعلان

وتعكس هذه المقالات رؤية كاتب "أساطير الخريف" و"دالفا" و"يوم جميل للموت" للأدب والحياة وهشاشة الوجود الانساني وسعادة العيش. وسواء تحدث عن فصول من طفولته أو ذكريات عن والدته أو مغامراته في الصيد أو الموسيقى أو الرياضة، Tكلما لمس هاريسون شيئا تحول إلى أدب رفيع بقلمه الساحر ورؤيته الثاقبة وحسه المتقد وأسلوبه الساخر والمرح وثقافته الأدبية الكثيفة والتقاطه المدهش للجمال في الطبيعة المتوحشة في سهول وجبال وغابات الريف الأمريكي بعيدا عن ضوضاء المدنية وفساد البشر.

وفي عدة مقالات يدافع هاريسون بقوة عن البيئة والحيوانات المتوحشة ويبدي تشاؤمه الأسود من مستقبل الكرة الأرضية بسبب التلوث وجشع الاقتصاد وقصور الوعي بأهمية الطبيعة البدائية حيث كتب في مقال نشره عام 2000: "إن المحيط الأطلسي يُظهر علامات التعفن في كل مناطقه. وعوالق الكائنات الحية اللازمة للحياة الحرية وبيئتها الحاضنة تتقلص وتتلاشى بسبب النفط والنفايات ومستقبل الأسماك والطحالب في خطر"

والخيط الرفيع الذي يعبر مقالاته هو السخرية من ايديولوجية الحلم الأمريكي ومن مجتمع الاستهلاك والهوس بالمال. أيضا هناك مقالات تعكس واحدا من المواضيع الطاغية في أعماله والتي عبر عنها في العديد من رواياته وهي التداعيات المدمرة لعملية إبادة الشعب الهندي الأحمر لأنه يعتبر هذه الابادة بمثابة الخطيئة الأصلية للمجتمع الأمريكي الذي بنى نفسه على جثث الهنود الحمر بعدما دمر ثقافتهم واجتث حضارتهم ووجودهم.

ولا يفوت هاريسون في العديد من مقالاته استحضار الكتاب والشعراء والفنانين الذين يدين لهم بالحب والولاء والاعجاب مثل ثورو وشتاينبيك ورامبو ودوستويفسكي ونيرودا وكامو وبوكوفسكي وجياكيموتي…

وفي واحدة من مقالاته التي نشرها بمجلة "نيويورك تايمز" عام 1999 تطرق هاريسون إلى مسألة تعلقه بالشخصيات النسائية في رواياته وعزا ذلك إلى كونه تربى على يد والدة ذات شخصية قوية ولأن حظه شاء أن ينشأ تحت رحمة "مظلة نسائية رحيمة". وشرح هاريسون كيف أنه آمن بقدرته على التحدث بلسان امرأة في رواياته "دالفا" و"سيدة الحباحب" و"طريق العودة" وكتب في خاتمة مقاله: "إن قدرتي على الكتابة مثل امرأة وبلسان امرأة أنقذتني من الهلاك بسبب الإفراط في تناول المخدرات أو معاقرة الكحول. لأن الثقافة الذكورية الأمريكية تحاصرك وظهرك الى الحائط ولا يتبقى لديك ما تفعله سوى التهام لحم الحيوانات الميتة في قارعة الطريق وعض القمر".

وإضافة إلى كونه روائيا وقاصا بارعا فإن جيم هاريسون شاعر ممتاز وله أربع مجموعات شعرية. وكان بدأ مشواره في الكتابة بديوان شعر وفي سنواته الأخيرة صرح بأنه يطمح لأن يكون شاعرا فقط. والواقع أن الشعر يخترق نثره بقوة وحاضر كل روايته وقصصه هو الذي كتب: "أن تكون حقيقيا وأن تعثر في أقصى ذاتك على درب يفضي الى ذلك الجسر الهش بين عدم انتظار أي شيء والرغبة في كل شيء". ولعل هذه الجملة تلخص فرادته كشاعر وناثر عظيم: "أكتبُ من أجل مواصلة تحولي إلى نهر لا وجود له في أي خريطة"

وكل كتاب وأنتم بخير...

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم