ريموند كارفر، عرّاب القصة القصيرة

سمعي 05:01
ريموند كارفر
ريموند كارفر © ويكيبيديا

في برنامج "قرأنا لكم يحدثكم عبدالاله الصالحي عن الكاتب الأمريكي ريموند كارفير بمناسبة صدور أعماله الكاملة

إعلان

نخصص حلقة هذا الأسبوع من برنامج "قرأنا لكم" للكاتب الأمريكي الفذ ريموند كارفر أحد أهم كُتاب القصة الأمريكية والعالمية والذي يصنفه النقاد كرائد من رواد تيار الواقعية القذرة .

ولد كارفر عام 1938 في مدينة كلاتسكاني بولاية اوريغون الأمريكية ونشأ في عائلة فقيرة  وغاص مبكرا في قراءة القصص والروايات والمجلات البوليسية للهروب من واقع عائلي بئيس يسوده الحرمان.

التقى كارفر بزوجته الأولى واسمها ماريان في مرحلة المراهقة المبكرة وارتبط بها وعمرها اربعة عشر عاما وانجب منها طفلين وعمره لم يتجاوز بعد الثامنة عشر عاما. هكذا دخل معترك الحياة مكبلا بقيود المسؤولية العائلية في حين كان أقرانه يستمتعون بحياة اللهو والطيش ونزق الشباب. ومن أجل ضمان مستلزمات العيش البسيط سيخوض كارفر معمعة الحياة من باب الفقر  والاحباط وكان عليه أن يشتغل ليل نهار في مهن مختلفة لا تدوم طويلا وأن ينتقل من بيت الى بيت ومن بلدة الى أخرى بينما العمر يهرب من بين يديه. 

في هذا السياق المضطرب آمن كارفر بالكتابة وكان مولعا بكُتاب مثل تشيكوف ودوستويفسكي وهيمنغواي وكافكا وواظب على كتابة القصة والشعر في الأوقات النادرة التي يجد فيها بعض الراحة وكان يكتب في ظروف قاسية وغالبا في زاوية ضيقة في المطبخ أو في السيارة . انتقل الى ولاية كاليفورنيا عام 1959 وهناك التقى استاذه وصديقه جون غاردنر الذي سيساعده كثيرا بنصائحه الادبية وينقح له مخطوطاته. وفي تلك السنوات نشر  قصته الأولى عام 1961 بعنوان "فصول غاضبة" ثم توالت اصداراته رغم قلتها في المجلات ونجح من حين لآخر في اقتناص منح مخصصة للكتّاب ما أتاح له التعرف على عدد من كتاب القصة والشعراء آنذاك وما شجعه على المضي في الكتابة وعدم الاستسلام لسطوة ظروف العيش والعمل. ورغم ان الستينيات كانت فترة قاسية من الناحية الاقتصادية والاجتماعية وعانى فيها من الادمان على الكحول فقد كانت أيضا الفترة التي سطع فيها نجمه في الاوساط الأدبية.

وسيأتي النجاح بالتدريج في فترة السبعينيات حيث تمكن من تحسين ظروف عيشه ومن التوقف نهائيا عن معاقرة الكحول. وبحلول الثمانينيات صار كارفر نجم القصة الأمريكية وحصد عدة جوائز مهمة وتمكن أخيرا من ضمان العيش بالكتابة فقط بالاضافة الى اشتغاله مدرسا بعدة جامعات. غير أن الحياة لم تمهله كثيرا بعد اصابته بسرطان الرئة وتوفي عام 1988 وعمره خمسون عاما وهو في قمة مجده الأدبي، المجد الذي لم يستمتع به كثيرا ويا للمفارقة! بعد عقود من المعاناة السوداء.

لقد برع كارفر بالخصوص في رسم عوالم شخصيات من المجتمع الأمريكي البسيط، رجال ونساء من ضحايا الحلم الأمريكي الخادع يعيشون مثل الغرقى بلا حب وبلا أقدار تستحق أن تُعاش. شخصيات تعيش أيامها بملل في مدن وبلدات باهتة. تكد في العمل بلا حماس وتضمد خيباتها بالادمان على الكحول أو المسكنات بلا أفق ولا انتظار.

في قصصه ينجح كارفر في استخلاص طريقة جديدة لرؤية العالم حواليه والتمعن في الآخرين وفي الأشياء والأحداث وبالتالي يتمكن من طريقة مغايرة لسرد الحياة. في هذه القصص تبدو تقنية كارفر واضحة فهو يقوم بعزل تفصيل بسيط ويبني انطلاقا منه عالم القصة وقد يكون هذا التفصيل دخان سيجارة أو رجلا في مطعم يرد على أسئلة زوجته بايماءة بدل الكلام. والقصة عند كارفر هي أولا  فن الدقة والمادة الخام في بضع صفحات قليلة. هو لا يهتم كثيرا بالاستطراد في وصف الديكور ليؤسس مناخ السرد في ذهن القارىء وقد يكتفي بمطبخ أو طاولة و أحيانا لا يذكر حتى اسم المكان أو المدينة. أيضا يحرص على خلق فجوات وفراغات في مسار القصة تاركا لخيال القارىء مهمة ملئها ولا يسرف في سرد الخلفية النفسية للشخصيات. ولا يهتم أيضا بماضيها ولا من أين أتت وما يهمه هو اللحظة الراهنة وقد تكون لحظة صمت مطبق أو جملة مقتضبة من ثلاث كلمات أو حركة يد. هذه هي طريقة كارفر في القص والمبنية على الحذف بدل الاستطراد والتي صارت بصمته الشخصية وعلامة اسلوبه الفريد.

ترك كارفر وراءه بضعة مجموعات قصصية ودواوين شعر صدر أغلبها بعد وفاته ومن بينها "ضع نفسك مكاني" 

و" هلاّ هدأت من فضلك" و"عمّ نتحدث عندما نتحدث عن الحب" و"الكاتدرائية" و"أخطاء شائعة" وترجمت جل أعماله الى العربية.  

وكل كتاب وأنتم بخير…

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم