أبولينير: شاعر الحداثة الفرنسية

سمعي 04:43
الشاعر الفرنسي غيوم أبولينير
الشاعر الفرنسي غيوم أبولينير © فليكر (Books18)

نخصص حلقة هذا الأسبوع من برنامج "قرأنا لكم" للشاعر الفرنسي غيوم أبولينير وهو واحد من أهم شعراء الحداثة الفرنسية الذي سطع نجمه في بداية القرن الماضي وأثر شعره بقوة على أجيال متتالية من الشعراء الفرنسيين رغم قلة نتاجه الشعري وعمره القصير ذلك أنه توفي في سن الثامنة والثلاثين عاما. 

إعلان

كان أبولينير اسما في غاية الحيوية يتوسط مجموعة من الشعراء السورياليين الشباب منهم لويس أراغون واندريه بروتون وأندريه سالمون وبيار ريفيردي الذين كانوا معجبين بموهبته وبجِدَّة قصائده ونَفَسها الحداثي المختلف تماما عن ما كان يُنْشَرُ من شعر آنذاك. ورغم انه كان اول من استعمل كلمة سوريالي فسيعتبره بعض السورياليين لاحقا كاتبا خفيفا وشعره مجرد تمارين جمالية سطحية.

والغريب في مسار أبولينير هو أنه نجا من الموت في أتون معارك الحرب العالمية الأولي الطاحنة والمعروفة بوحشيتها ودمارها الهائل لكي يموت بعد سنتين من مغادرته الجبهة وبشهور قليلة بعد زواجه بسبب التهاب حاد في الرئة وعمره لم يتجاوز 38 عاما.

كان انخراطه في جبهة الحرب العالمية الأولى أيضا نابعا من رغبته في التجنس بالجنسية الفرنسية. فأبولينير، واسمه الحقيقي غيوم دو كوستروفيسكي، من اصول بولندية لكن جنسيته روسية رغم أنه ولد في ايطاليا من أب مجهول وأم بولندية. وفور التحاقه بالجيش الفرنسي تقدم بطلب للحصول علي الجنسية الفرنسية وهذا ما توفق فيه عشية اصابته بشظية قذيفة في الرأس. أبولينير كان يحب الحرب وهذا ما دفعه الي الالتحاق بالجيش بعد يومين فقط بعد اعلان الحرب في 3 من اب (اغسطس) 1914. فقد كان يريد أن يعيشها عن كثب كتجربة حسية. آه يا الهي كم الحرب جميلة... . كتب في احدي قصائده وهذا ما لم يغفره له أبدا لويس أراغون الذي كان يكره الحرب وعوالمها مثل غالبية الشعراء والكُتاب.

لكن أبولينير لم يكن محاربا وشاهدا علي ويلات الحرب فقط. فهو أساسا شاعر ولم يكن ينوي أبدا التخلي عن حساسيته الشعرية بل أنه فعل المستحيل لكي لا يضيع حسه وفضوله الشعري بين هدير المدافع والقنابل كما كتب في احدي رسائله الي محبوبته مادلين باجيس: في الحقيقة ليس هناك أي كاتب قادر علي التعبير عن الفظاعة اليومية والحياة الغامضة التي تميز خندقا بسيطا. 

لكن أبولينير استطاع بأسلوبه الخاص أن يزاوج بين هدير الحرب وفظاعاتها وبين احتدامات مغامراته العاطفية. واذا كان ابولينير الجندي يقتسم مع رفاقه حياة الخنادق والدم والبارود فان ابولينير الشاعر كان يقاوم بشاعة الحرب بالشعر والمراسلة وخاصة بالحب. ذلك أن أبولينير عاشق محترف مسكون بظمأ عاطفي هادر يجعله يركض وراء النساء ويكتب لهن مئات الرسائل من معترك الحرب. ونساء ابولينير صرن شهيرات بفضل القصائد التي كتب من اجلهن: لويز دو كولوني سليلة عائلة من طبقة النبلاء أو مادلين باجيس استاذة الأدب أو ميراي هافيت المراهقة المعجبة ذات الجمال الغامض. هاته الفتيات كن يسكنَّ خيال أبولينير الجندي ويجعلن من يومي الحرب تجربة حسية حبلي بالمفارقات حيث تختلط الشهوة بالموت وهمس القلب بهدير الصواريخ وقسوة الخندق بالمجازات الشعرية. لنستمع الى واحدة من أشهر قصائد ديوان "كحول" قصيدة "تحت جسر ميرابو"

فرادة أبولينير تكمن في استيعابه المبدع لتراث الرمزية الشعرية التي كان يمثلها آرثور رامبو وبودلير وفي وعيه الحاد بالمتغيرات الحضارية المذهلة التي ظهرت في بوادر القرن العشرين وأيضا في ايمانه المبكر بالتلاقح بين الشعر والفن وكان من أوائل من كتبوا وواكبوا تجربة الفن التكعيبي ثم السوريالي وهو نفسه كان يكتب الشعر بنفس تكعيبي ومن هنا استغناءه عن النقط والفواصل في قصائده المبكرة.

وكل كتاب وانتم بخير....

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

ابق على اطلاع دائم بالأخبار الدولية أينما كنت. حمل تطبيق مونت كارلو الدولية