ألبير قصيري مَلِكُ الغرفة رقم 58

سمعي 05:08
ألبير قصيري
ألبير قصيري © ويكيبيديا

في حلقة هذا لأسبوع من برنامج "قرأنا لكم" نتوقف عند الكاتب المصري باللغة الفرنسية ألبير قصيري الذي رحل عن عالمنا عام 2008 مخلفا وراء ثمان كتب ترجمت الى خمسة عشر لغة من بينها العربية. وذاع صيت ألبير قصيري في فرنسا وفي الغرب بفضل قصصه ورواياته التي استلهم فيها الحياة المصرية كما عاشها في سنوات الطفولة والمراهقة قبل أن يغادرها ويستقر به المقام في باريس عام 1945.

إعلان

اشتهر قصيري بمجموعاته القصصية وروايته لكنه أشتهر أكثر بكونه الكاتب الوحيد في العالم الذي قضى معظم حياته في غرفة بفندق متواضع في قلب حس سان جرمان بباريس ولم يشتغل أبدا ولم يملك لا بيتا ولا عقارات ولم يخلف أبناء وحتى الزواج جربه مرة واحدة مع ممثلة فرنسية ولم يدم سوى شهور قصيرة ليقرر بعدها العيش في عزوبية أبدية حتى الموت. اشتهر قصيري أيضا باعتناقه الجذري والكامل لمبدأ الكسل. لكن ليس ذلك الكسل الذي يعني الخمول وتضييع الوقت كما قد يتبادر للأذهان بل كسل إيجابي ومبدع كله تأمل في الحياة واشتغال على الكتابة بشكل يومي ووجودي. لنستمع اليه متحدثا في احدى حواراته النادرة عن خياراته الراديكالية في الحياة...  

"غالبية الناس خاصة في بلدان الغرب لا وقت لديهم للتفكير أو التأمل وأنا أعتقد أن الحكمة التي تتعلق بها روحي وهي حكمة الكسل تتمثل بالأساس في التوفر على الوقت كل الوقت. لهذا اخترت من أعوام طويلة أن أقيم في غرفة بالفندق. فعندما تسكن في غرفة بالفندق تتفادى الكثير من المتاعب والاكراهات التي يعيشها المرء عندما يقيم في المنزل. إذا كان أنبوب المياه معطلا مثلا في المنزل فأنا لا أستطيع التفكير بأي شيء آخر وأعجز عن التفكير أو الكتابة أو القراءة. 

لقد اخترت هذا الفندق لأنني أعرف جيدا حي السان جرمان الذي يوجد فيه ولي فيه  هذا الحي معارف وأصدقاء كثيرين. عندما قررت الإقامة في باريس عام 1945 اخترت مكرها العيش في شقة صغيرة في حي مونمارتر لأن الخيارات كانت محدودة جدا في تلك الفترة الصعبة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. أقمت في تلك الشقة ست سنوات وكنت خلالها أقضي كل الأوقات في حي سان جرمان ومقاهيه ومطاعمه ومسارحه وأعود أدراجي في الفجر الى الشقة التي كانت بعيدة وتقع في الجهة الأخرى من المدينة. تعبت خلال تلك السنوات من قطع المسافة والتنقل بين الشقة وحي السان جرمان وصعود الدرج الى الطابق الثالث. وفي نهاية المطاف اخترت العيش في الفندق وسط الحي الذي يعجبني. أنا لا أحتاج إلى أكثر من غرفة صغيرة في فندق متواضع وأجد فيها كل ما أنشده من راحة البال والاطمئنان. مرة أعارني أحد الأصدقاء شقة فسيحة مكونة من ثلاثة طوابق على البحر في مدينة سان تروبي الباذخة وتشتمل على عدة غرف فسيحة ولكني لم أشعر فيها أبدا بالراحة وكنت أضيع وقتي في البحث عن الأشياء. مرة بحثت عن منديلي في كل أرجاء الشقة وعثرت عليه بصعوبة بالغة. بينما لو كنت في غرفة الفندق فيكفي أن أمد يدي قليلا لأتناول منديلي.  

ليس لدي أي نزعة تملكية ولا أملك أي شيء. كان بوسعي أن أكون مالكا للوحات تشكيلية غالية الثمن كان أصدقائي الرسامين ومنهم الكثير من المشاهير يهدونني إياها مثل جاكوميتي الذي كان من أصدقائي المقربين. لكنني كنت دائما أبيعها وأصرف أموالها. عندما يكون المرء محتاجا الى المال لا يستطيع أن يحتفظ بلوحات ثمينة. أنا لا أملك حرفيا أي شيء وبإمكاني السفر أينما شئت بحقيبة فيها فقط ما يكفي من الملابس الضرورية. أنا ضد فكرة الادخار والاحتفاظ بالمال وحتى لو كانت لدي أسنان ذهبية لبعتها. أحس بنفسي في غاية الارتياح والحرية وأنا أمشي فارغ الجيب." 

بدأ ألبير قصيري مشواره في الكتابة بمجموعة قصصية بعنوان "بشرٌ نسيهم الرب" عام 1941 ونالت وقتها الكثير من الاستحسان من طرف كتاب عالميين كبار مثل هنري ميلر وأندري بروتون ثم رواية "بيت الموت المحتم" و"كسالى الوادي الخصب". ونشر روايته الأكثر نجاحا وشهرة "شحاذون ونبلاء".

ألبير قصيري تجربة فريدة ونادرة في الحياة والكتابة وهي تشع بومض غريب وساخر في عالمنا الراهن الذي يلهث فيه بعض الكُتّاب ويكدحون من أجل المال والتملك...  

وكل كتاب وأنتم بخير...  

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

ابق على اطلاع دائم بالأخبار الدولية أينما كنت. حمل تطبيق مونت كارلو الدولية