تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

هند الإرياني: " المصففة وصديقتي السمراء"

سمعي
مونت كارلو الدولية
4 دقائق

قبل سنوات طويلة في صنعاء وأنا مع صديقتي سحر، ذهبنا لمصففة الشعر لنتجهز لحضور حفل زفاف إحدى قريباتي، كنا في سن المراهقة، هذا السن الذي تشعرين فيه بأنكِ تحتاجين لمن يقول لكِ فيه إلى أي درجة أنتِ جميلة، وإلى أي حدٍّ أنتِ ذكية إلى ما هنالك من الإطراء. ولكن صديقتي في ذلك اليوم لم تحصل على ذلك الإطراء وإنما حدث لها موقف أثَّرَ عليها سلباً لسنوات طويلة. 

إعلان

دخلنا عند مصففة الشعر، وكانت بشرةُ صديقتي سحر سمراءَ داكنةً، وشعرُها "أكرتَ"، وعيناها صافيتين، عندما تنظر لوجهها تشعر بأن الحياة جميلة مثل جمال ابتسامتها. ولكن جمالها لم يكن الجمال المعترف به في مجتمعنا، فهي ليست بيضاء البشرة وشعرها ليس أملساً.. لذلك بمجرد أن نزعت الطرحة من على رأسها تنهدت أو بالأصح تأففت المصففة بطريقة وكأنها تقول في نفسها "يبدو أن هناك الكثير من العمل المجهد لترتيب هذا الشعر". فهمت سحر سبب تأفف المرأة فشعرت بالخجل وبدأت بتصفيف شعرها بيديها بارتباك لتسهل عمل المصففة، ولكن المصففة قالت لها بتهكم: "دعيه، هذا الشعر لا يمكن تصفيفه فقط بيديكِ، يحتاج للكثير من العمل".

كنا أنا وصديقتي في سن صغيرة ويبدو هذا ما جعل المصففة أكثر جرأة أو وقاحة في تعاملها معنا، ولم نفكر وقتها بأن علينا أن نترك المكان ولم نعرف كيف نرد عليها.

بدأت المصففة في تمشيط شعر سحر ولا زال في وجهها تعبير التأفف، ثم قالت "هذا الشعر كأنه رجل قوي وخشن" ، كان شعر سحر كثيفاً ولونه يبرق، ولكن المصففة لم تكن تفكر إلا بأن هذا الشعر سيأخذ منها وقتا ومجهوداً. تطلعت في وجه سحر بعد أن سمعت كلمة قوي وخشن، فرأيت وجهها ازداد احمرارا وبدت وكأنها ستبكي ولكنها تمالكت نفسَها إلى أن أكملت المصففة عملها.

خرجنا من المحل وبمجرد أن دخلنا السيارة انهارت صديقتي بالبكاء، كانت تبكي بحرقة وشعرت أنا بالعجز، حاولت أن أخفف عنها وأقنعها أن هذه المرأة لا تفقه شيئا وأن شعرها جميل، نظرت لي بامتنان ولكنها كل ما توقفت عن البكاء عادت إليه مرة أخرى.

عندما أتذكر هذا الموقف اليوم أتعجب كيف تغيرت أنا وكيف تغير أيضا المجتمع بسبب وسائل التواصل الاجتماعية، هذا الموقف لو حدث اليوم كنت سأغضب وأصور المصففة وهي تقول هذا الكلام الجارح وأصور المحل ثم أنشر الفيديو على وسائل التواصل، وكان الجميع سيقف مع صديقتي ونتسبب في خسائر مالية لهذه المرأة العنصرية،  وكان ذلك ربما يؤدبها ويكون درسا لها في كيفية التعامل مع الآخرين، هذا إن لم تكن تعلمت بأن ما فعلته شيء يندى له الجبين.

لذلك عزيزاتي وأعزائي، من قال أن الماضي كان أفضل من الحاضر؟ هذا ليس صحيحاً. الماضي أيضا فيه عنصرية وكراهية ولكن الفرق أننا اليوم نستطيع أن نشارك بعضنا هذه المواقف ونستطيع أن ندعم بعضنا البعض، لذلك اليوم أفضل بكثير من البارحة، أيضا صديقتي تغيرت، نعم عانت لسنوات ولكنها اليوم قوية وواثقة من نفسها، وجميلة كما كانت دائما. 

هند الإرياني

 

 

هند الارياني، صحفية وناشطة اجتماعية، مدافعة عن حقوق المرأة والطفل، حاصلة على جائزة المرأة العربية لعام ٢٠١٧.

فيس بوك اضغط هنا

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.