تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

سناء العاجي: "الجريمة والحرية"

سمعي
مونت كارلو الدولية
4 دقائق

يسوق سيارته بسرعة تعادل تقريبا ضعف السرعة المسموح به، حتى وهو برفقة أطفاله. يضيف أنه يعرف أماكن مراقبة السرعة، وأنه، قبلها ببضع كيلومترات، ينقص من سرعة سيارته. بمعنى أنه يخاف من الشرطة، أكثر من حرصه على سلامته وسلامة زوجته وأطفاله... وحين تنتقد هذا السلوك اللا مسؤول وتعتبره جريمة، يقول لك: ألا تدافعون عن الحريات الفردية؟ هذه حريتي الفردية ولا حق لكم في التدخل!

إعلان

تدخن وهي حامل. وإذا ما تجرأت وناقشتها في الموضوع، على أساس أن ذلك يعد جريمة في حق غير المدخنين عموما وفي حق طفلها على الخصوص، تصرخ في وجهك: ألا تدافعون عن الحريات الفردية؟ أنا أرفض أي قانون يمنعنى من حقي في تدخين سيجارتي في مطعم.

... هنا، تدرك أننا نحتاج فعلا لأن نشرح باستمرار مفهوم الحريات الفردية.  

أن تهدد حياة الآخرين ليس حرية فردية. أن تحولهم لمدخنين سلبيين هو شروع في القتل البطيء. السياقة بسرعة كبيرة هو شروع في القتل وعدم مسؤولية.

"تتوقف حريتك عندما تهدد حرية الآخرين". شعار نسمعه كثيرا، وفي غير محله أحيانا. فأن لا يصوم شخص في رمضان لا يمس حرية الآخر في الصيام. أن يغير شخص دينه لا يمس حرية الآخر في التشبث بدينه. أن يرفض شخص الزواج أو الإنجاب. أن يعلن عن مثليته. أن يختار الزواج بمن يحب بغض النظر عن اختلافات السن أو الدين أو الجنسية... كل هذه سلوكيات تترجم حريات فردية لأنها لا تفرض على أي شخص آخر الإتيان بنفس السلوك ولا تهدد اختياراته الخاصة الأخرى.

لكن، أن تسوق سيارتك بسرعة جنونية فأنت تهدد حياتك وحياة الآخرين. كذلك، من حقك أن تدخن. لا أحد سيمنعك. لكنك بإصرارك على التدخين في حضور الآخرين، فأنت تهدد صحتهم وتفرض عليهم سجائر رفضوا بكامل وعيهم تدخينها.  

المشكلة أن أصحاب هذه السلوكيات، والذين يخلطون بشكل فاضح بين الحريات الفردية وبين السلوكيات المؤذية للغير، قد يرفضون اختياراتك الأخرى التي لا تلحق الأذى بأي شخص آخر. كأن يعتبر سياقته بسرعة جنونية حرية فردية، لكنه يعتبر سجن المثليين أمرا جيدا. كأن يدخن في حضرة الآخرين أو تدخن وهي حامل، لكنها تعتبر عدم صيام رمضان جريمة وسلوكا غير مقبول، رغم أن الذي يختار عدم الصيام لن يفرض عليها نفس السلوك...

مشكلتنا أننا نحتاج دائما لشرح البديهيات. رغم أن أجدادنا قالوا: شرح الواضحات من المفضحات...

سناء العاجي

 

كاتبة وصحافية مغربية، لها مشاركات عديدة في العديد من المنابر المغربية والأجنبية. نشرت رواية "مجنونة يوسف" عام 2003 كما ساهمت في تأليف ثلاث كتب مشتركة: "رسائل إلى شاب مغربي"، "التغطية الصحافية للتنوع في المجتمع المغربي" و"النساء والديانات". نشرت عام 2017 كتاب "الجنسانية والعزوبة في المغرب"، وهي دراسة سوسيولوجية قامت بها للحصول على شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع من "معهد الدراسات السياسية" في إيكس أون بروفانس بفرنسا.

فيس بوك اضغط هنا

 

 

 

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.