تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

غادة عبد العال : "أمي .. القوة الناعمة"

سمعي
مونت كارلو الدولية

في البدء كانت أمي، ما شفتش حد زيها، حتى لما انتقلت لعالم آخر وكبرت وانتهى الوهم اللي بيؤمن بيه كل طفل إن أمه هي وحدها أعظم الأمهات، مازلت أراها في مكان مميز وحالة خاصة جدا بين الأمهات.

إعلان

فمن صغري وأنا شايفة أمي تلك القوة الناعمة إن جاز لي التعبير، كانت ككل الأمهات بتضع حياة أبنائها كأولوية في حياتها، لكن أمي الخجولة المبتسمة الرقيقة مريضة القلب منذ الطفولة، كانت بتقوم بالحرب من أجلنا بطرقها المبتكرة.

لما حبت  أمي الموظفة بإحدى الشركات إنها توفر لي ولأخي أفضل ظروف للدراسة درست الأمر من كل ناحية، فمالقتش طريقة لإلحاقنا بالمدرسة اللي كانت مصاريفها تفوق إمكانيات أسرتنا الصغيرة إلا عن طريق التحايل على الواقع، كانت ككل أم مصرية في هذا الوقت جندي مجند ملتحق بجيش الجمعيات، وكانت الشركات بتساهم في دعم هذا الاتجاه الشعبي للحياة في كنف الأقساط فبتوفر السلع التي يمكن تقسيطها في جمعيات يطلق عليها "تعاونية"، ومن الجمعية التعاونية تقدر تقسط تلفزيون، مكنسة، أو سجادة يدوي تقيلة وزنها 20 كيلوجرام.

أمي بأه خطرتلها فكرة عظيمة، فاتقدمت لمديرها المباشر بطلب هيغير من وجه “تعاون” الشركة مع موظفيها للأبد، لما قدمتله طلب لتقسيط مصاريف مدرستي الخاصة من مرتبها، كانت بتحكي لي وهي بتضحك  إزاي خلع المدير نظارته ولمع زجاجها بربطة عنقه وهو بيعيد قراءة الطلب مرات، وقبل أن يهم بالاعتراض، بادرته بقولها إنه مافيش في لائحة الشركة ما يمنع وإن مصاريف المدرسة ما تزيدش كتير عن ثمن السجادة اليدوية ال20 كيلوجرام، فليه الشركة ما تقومش بالاستثمار في مصاريف المدارس بدلا من الاستثمار في السجاد؟

ما كانتش دي  أولى حركات أمي المقاومة لمنطق (مافيش غير كده) اللي كان بيحكم أفعال أبناء مدينتنا في الأقاليم، فبينما كان أهالي أصحابي بيشجعوا أبناءهم ما يحلموش إلا أحلام تحمل صفة البراجماتية، وبيسألوهم أسئلة زي : إنت شايف حواليك مقرات صحف أو جرائد؟ يبقى صحافة إيه اللي انت بتحلم تشتغل فيها؟ هل احنا لينا قرايب عايشين في القاهرة وليهم علاقة بالفن؟  أمال ليه فاكرة إن سجادات الفن الحمراء هتتفرش لك من غير واسطة وعلاقات؟ تبقى كاتب يعني إيه؟ يا ابني الكاتب لازم يكون ميت من ييجي 10 سنين.

أما أمي فقد كانت دايما بترفع رؤوسنا لفوق، بل وتحاول أن ترفع رؤوس الآخرين يمكن يدركوا أن طرق الأسفلت مش هي الطريق الوحيدة اللي هتوصل أولادهم إلى مكان ما.

أمي اللي واجهت نظرات الاستهزاء من مسئولي النشاط الرياضي في مدينتنا الصغيرة وهي بتسأل عن فريق للجمباز أو الباليه عشان تلحقني بيهم، اللي بينما كانت قريباتنا كلهم بيسمعوا لأولادهم ليل ونهار رغباتهم في إنهم يتفوقوا في الدراسة، كانت أمي على العكس بتقولنا إن من أمنياتها في الحياة إن يكون حد في ولادها موهوب في الرسم أو الموسيقى.

أمي اللي علمتني باختصار إن النساء هن اللي بيقودوا دايما قاطرة التغيير.

الأسبوع ده كان ذكرى عيد ميلادها، أتمنى إنها تكون مبسوطة في المكان اللي هي فيه، وأتمنى تكون محاطة بقدر من الجمال والسعادة والنعومة والقوة اللي هي دايما كانت مصدر ليهم. 

غادة عبد العال

     

 

 

 

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.