تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

جمانة حداد: " إنهم يرحلون"

سمعي
مونت كارلو الدولية
3 دقائق

صديقة غالية، هي صحافية وناشطة حقوقية لامعة، شاركتني فرحتها بحصولها منذ أيام على جواز سفر فرنسي سيتيح لها ولعائلتها العيش والعمل في فرنسا. الجواز المذكور مُنحت إياه على أساس "الموهبة"، وهي حالة خاصة تقرر فيها الحكومة الفرنسية القيام باستثناء واعطاء الجنسية لأشخاص يملكون مواهب تشرّف الدولة التي يحملون جنسيتها.

إعلان

فرحتُ لصديقتي طبعاً، لكني حزنتُ طبعاً. لقد فرحتُ لها لأنها بعدما كانت تشعر، على غرار كثيراتٍ وكثرٍ منّا، أن هذه البلاد، بلادنا لبنان، تقتلها ببطء، بسبب انعدام مفهوم المواطَنة فيها وأمور كثيرة أخرى تؤمّن الحد الأدنى من الكرامة للإنسان، قد اصبحت اليوم مواطنة في دولة تحترم حقوق الانسان وتحترم المواهب. وفرحتُ خصوصًا لأن طفلتها سوف تكبر في ارض ترى اليها ككائن إنساني، كشخص يتمتع بالكرامة المطلقة، وككيان مكتمل في ذاته لا كضلع. لكني حزنتُ. حزنتُ على اللواتي والذين ينزفون مواهبهم هنا، إهدارًا، وعبثًا، وبلا جدوى... 

هؤلاء الموهوبون، المتفوقون، النوابغ، هم، كما يعلم الجميع، كثيراتٌ وكثرٌ للغاية في لبنان. بعضهم تنفتح أمامه سبل الخلاص بـ"الهرب" إلى الخارج، إلى دول محترمة وذكيّة تتحيّن الفرص لاستدراج مواهب من هذا النوع، لإدراجها ضمن سياقاتها العملية والمجتمعية، وللإفادة من طاقاتها وقدراتها الخلّاقة في كل المجالات.

بعضهم، كما ذكرتُ، تنفتح أمامه سبل السفر، وبعضهم الآخر تُقفَل في وجهه الآفاقُ والاحتمالات، فيتقوقع، وينشف، وييبس، وييأس، لأن بلاده لا يعنيها أنْ تستفيد من مواهبه الذاهبة إهدارًا. 

فبلادُه هذه، سلطاتُها معنيةٌ فقط، بنهب الثروات، وقتل المواهب، وتوزيع الحصص، وعقد الصفقات تأمينًا لاستمرارها في الحكم والسلطة.

فرحتُ لصديقتي نعم، لكني حزينة حزنًا يشبه الموت من جرّاء هذا النزف المفتوح على ما لا نهاية، كوحشٍ لا يشبع من التهام طاقاتنا.

 

 

 

 

 

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.