مدونة اليوم

غادة عبد العال : "الإخوة الكبار"

سمعي
مونت كارلو الدولية

عندما بدأت وسائل التواصل الاجتماعي في الانتشار في العالم، ظن كثيرون أن الأمر لن يتعدى كونها وسيلة لتبادل الصور الشخصية و النكات و الحكايات اليومية، لكن يوم بعد يوم بدأ يتضح للجميع أن الأمر أكبر من ذلك بكثير. 

إعلان

توغلت وسائل التواصل الاجتماعي في حياتنا بشكل جعلها تمد جذورها فيها لأعماق إحنا مش شايفينها ومش شايفين تأثيرها علينا، أصبح البعض لا يعمل إلا من خلال السوشيال ميديا، والبعض لا يشتري مستلزماته إلا من خلال السوشيال ميديا، أصبح معظم سكان العالم بيتلقوا أخبارهم من خلالها، بل وأصبحت الحكومات والأنظمة السياسية بتستخدمها بشكل أساسي لنشر التصريحات والبيانات بدلا من وسائل النشر التقليدية.

ويوم بعد التاني أصبحنا غير قادرين عن الاستغناء عن المواقع دي بل غير قادرين على تذكر شكل حياتنا قبل وجودها.

ومع الوقت تعملقت الوسائل دي وأصبحت قوة لا يستهان بيها بتتاجر بمعلوماتنا واتجاهات تفكيرنا بدون أي رادع، خاصة في ظل عدم وجود وسائل واقعية لمراقبة عملها أو لوضع خطوط حمراء لا يجب أن تتعداها.

شاهدنا مثلا الكونجرس الأمريكي وهو بيستجوب مارك زوكربرج مؤسس الفيسبوك، وبدا واضح للجميع إن أعضاء الكونجرس بمعلوماتهم التقنية المحدودة مش عارفين يسألوا الأسئلة صح، ومش عارفين يحطوا مخاوفهم في شكل تساؤل تقني محدد في ظل تقنية (وجه البوكر) اللي استخدمها زوكربرج معاهم بملامح جامدة وردود عايمة لا أخدوا منها حق ولا باطل.

ومع الوقت إبتدت أصابع وسائل التواصل الاجتماعي تمتد كمان داخل عمق مصائرنا، فكانت حجر زاوية في تحديد الفائز في الانتخابات الأمريكية السابقة، كما كانت من أهم العناصر المؤثرة في تحديد نتائج الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بكم من الحسابات المزيفة والمعلومات المضللة اللي ساهمت في توجيه الأصوات وتغيير وجه العالم.

ومؤخرا وبعد الاضطرابات الأخيرة في أمريكا اللي نتج عنها اقتحام عدد من مؤيدي دونالد ترامب لمبنى الكونجرس الأمريكي، اجتمع رؤساء تلك المواقع وقرروا لأول مرة في التاريخ إخراس صوت الرئيس الأمريكي عن طريق حظر كل حساباته، فأصبح بين يوم وليلة مقطوع اللسان.

وبينما ماحدش عاقل مش هيكون سعيد بدرجة ما لنزع وسيلة من وسايل تهييج الرأي العام من إيد ديكتاتور محدود المصداقية والذكاء، لكن الأمر المرة دي خطي، عندنا هنا سلطة جديدة بتعلن إنها قادرة على إخراس أقوى رجل في العالم، قادرة على أنها تتحدى رئيس أكبر دولة في الكوكب وتحطه في "النوتي كورنر" زي الأطفال الصغيرين.

وهذه القوة قادرة إنها تسمح لده بالكلام وتخرس ده عند اللزوم، وتتحكم في مصير دول وتتحكم في مقدرات شعوب، قوة مكونة من حفنة من المليونيرات اللي معظمهم في سن الشباب.

وكأن العالم وقع تحت احتلال ناعم، ليستبدل الأخ الكبير اللي من المتعارف إنه بيراقب الجميع بنادي من الإخوة الكبار، اللي أصبحوا بدون أي وسيلة مفهومة لمعارضتهم بيتحكموا في حياتنا ومعلوماتنا واتجاهات تفكيرنا ووعينا وبشكل خلانا معتمدين على مواقعهم بشكل كامل لنعيش وكأننا مجموعة من الذباب تم اصطيادنا عن طريق الشبكة العنكوبتية وليس لنا أي فرصة في الفرار.. هنقول إيه؟ .. ربنا يستر.

غادة عبد العال

     

 

 

 

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم