مدونة اليوم

غادة عبد العال : "عن الآخر والآخرين"

سمعي
مونت كارلو الدولية

في إطار موجة متأخرة من موجات حملات فضح المتحرشين العالمية "مي تو" تأتي حملة مصرية أخيرة لمدونة خصصت لنشر شهادات ضحايا التحرش أو كما تطلق عليهن مؤسسات المدونة (ناجيات)، و بينما تنوعت الشهادات و أثارت موجة كبيرة من التعاطف، أثارت أيضا موجة من الاستنكار، حين تبدأ الناجية في سرد قصتها بجملة أنها و فلان (المعتدي عليها) أصدقاء، يتساءل البعض: “يعني إيه أصدقاء؟، هو فيه صداقة بين ولد و بنت؟" ، إذا ذكرت أنهم مرتبطان، يشهق البعض الآخر: “ مرتبطين يعني إيه؟، ماشيين مع بعض يعني؟، أستغفر الله العظيم"، أما إذا ذكرت أنها وقت حادثة الاعتداء كانت مع المعتدي في مكتبه أو سيارته أو منزلها أو منزله، ففي هذا الوقت تكون القضية منتهية، و تبقى تستاهل و هي اللي جابته لنفسها و هي أصلا كده شمال يبقى الرجل ذنبه إيه؟

إعلان

تطل قضية الاختلاف المجتمعي برأسها في كتير من قضايانا و عبر السنين دون أن تلفت نظر المتابعين لأي شيء،و ده بسبب تكون مجتمعاتنا العربية خاصة من كتل كبيرة من الطبقة المتوسطة مع تمثيل أقل لباقي الطبقات بيحسسنا دايما إن قيمنا لازم تكون واحدة و طرق عيشنا للحياة واحدة و أي تغيير عن قيم الطبقة المتوسطة المعلنة يبقى الخارج عنها يستحق العقاب في الدنيا قبل الآخرة.

بل إن البعض بياخد على عاتقه إنه يكون هو الجلاد اللي بينزل العقاب على المختلفين، سواء بتعليقات مهينة، بالتنمر و السباب، بحملات إلكترونية لعزل أو تدمير نفسية صاحب الاختلاف، و أحيانا بيتطور الأمر للعقاب المادي، زي ما بيعمل بعض متحرشي الشوارع لما بيكون مبررهم لضرب فتاة أو تمزيق ملابسها في الشارع هو إنها هي اللي كانت ماشية بلبس لا يليق و احنا رجالة يعني و لازم نعلمها غلطها.

و بينما بيكون صوت أعضاء الطبقة المتوسطة المعترض و المنكل بالمختلفين عالي في الوطن بنشوف عكس ده تماما لما يجيلهم فرص للسفر أو العمل في دول العالم الأول، هناك بمجرد تحولهم من خانة الأغلبية لخانة المختلف، بتجدهم – يا سبحان الله-  بينشدوا أوبريتات ضرورة تقبل اختلافهم في مجتمعاتهم الجديدة.

تقبل الآخر و تقبل وجود آخر بدون شيطنته أو احتقاره من سمات المجتمعات المتحضرة المتعلمة، و بينما إحنا بنتفاخر دائما إن مجتمعاتنا مجتمعات  طيبة محبة متقبلة للأغراب، إلا إن ردود أفعالنا تجاه بعضنا اللي شكل حياتهم مختلف عن الأغلبية هي ردود أفعال مخزية، بل إنك قد تجد نفس الشخص اللي بيتقبل أو يتعاطف مع آخر مختلف عنه في الديانة أو الجنسية، هو أقسى أنواع الجلادين إذا تعلق الأمر بآخرين متفقين معاه في الجنسية أو الديانة لكنهم ما بيمارسوش الحياة بنفس الكتالوج و نفس القواعد، خاصة إذا كانوا  ضحية لجريمة أو اعتداء،  وقتها تظهر الشماتة و يظهر التشفي و يظهر وجه قبيح أتمنى إني أعيش اليوم اللي أشوفه مختفي من مجتمعاتنا الطيبة الدافئة المتدينة بطبعها.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم