مدونة اليوم

جمانة حداد: "هم قتلة الحياة"

سمعي
مونت كارلو الدولية
3 دقائق

لماذا تكتبين، سألني ذلك الرجل الذي أمضى عمره في الكفاح الوطني، مستطردًا القول إنّ الكتابة نادرًا ما تؤتي ثمارَها، المادية والمعنوية، سواءً أكانت أدبيّة خالصة أم فكرية أم نضاليّة؟ قال: "أنا القارئ النهم، لم أعرف في حياتي كتاباً غيّر العالم".

إعلان

أجبتُهُ على الفور، وبدون تردّد، مذكِّرةً إيّاه، بقول كافكا المشهور، وهو أحد المعجبين بأدبه: "أن تكتب، يعني أن تقفز قفزةً خارج صفّ القتلة". 

أنا لا أريد أن أكون في صفّ القَتَلَة. هذا هو جوابي باختصار صارم، بصرف النظر عن المعنى المحدد الذي أراد كافكا التعبير عنه في هذه الجملة التاريخيّة. 

لا أريد ان أكون في صفّ القَتَلَة، وخصوصًا الآن وهنا.

لكن، مَن هم القَتَلة، الذين لا أريد ان أنتمي إليهم، ولا أن أكون في صفوفهم أو قطعانهم؟

إنهم هؤلاء الذين يقتلون الحياة، ويقتلون الفرح، ويقتلون الكلمة، ويقتلون العقل، ويقتلون النقد، ويقتلون الاختلاف، ويقتلون التنوّع، ويقتلون السعادة، ويقتلون الرأي، ويقتلون الحلم، ويقتلون الحرّيّة، ويقتلون الأدب والفن، ويقتلون المعرفة. ونحن، الآن وهنا، محاطون بهم أكثر من أي وقت مضى.

أنا لا أكتب لأغيّر العالم يا سيّدي. ليس هناك في تاريخ الأدب كتابٌ واحد يستحق القراءة، كتبه صاحبه لأنه كان يريد به أن يغيّر العالم. أنا أكتب لكي أنقذ نفسي. أو بالأحرى لكي أحاول. فقط أحاول. أكتب كمن تتمسّك بحافة هاوية بيد واحدة. أكتب كي لا أختنق تماماً. أكتب، بكل بساطة، لأني لا أحتمل السطح. والقتلة هم السطح يا سيدي.

ثم إني أريد أن أطرح عليك بنفسي السؤال الآتي: أنتَ، الذي لا يكتب بل يناضل، ألا يندرج كفاحكَ في سياق المعركة التاريخية الفاصلة بين القَتَلَة والمقتولين؟ ألا يجمعنا، أنتَ وأنا، خندق الدفاع عن شرف الحياة وكرامتها، أكان ذلك بالكلمة أو بسواها؟

أمثالنا قد لا يغيّرون العالم، لكننا، بالتأكيد، نجعله أكثر احتمالاً.  

جمانة حداد

 

 

 

 

 

 

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم