مدونة اليوم

جمانة حداد: فليسقط واحد من فوق

سمعي
مونت كارلو الدولية

لم يكن أستاذنا في اللغة والأدب العربيين، في المرحلتين التكميلية والثانوية، أستاذاً "عادياً"، ولعلي - من حيث عشقي للغة وسعيي المتواصل الى إتقانها - أدين له بالكثير، الى جانب والدي المولع باللغة العربية والقراءة. أستاذي الحبيب اميل غصوب كان مربياً لنا أيضاً، ومرشداً، ومحفزاً على التفكير والمساءلة بدل التلقي المحض، وهو، الى جانب معلمتي الغالية نورما جدعون، التي احتضنت بداياتي في الشعر- وأصبحت في ما بعد زوجة اميل- من أثمن الكنوز الانسانية والفكرية التي قدمتها إليَّ مدرستي، سيدة السلام.

إعلان

أتحدث اليوم عن اميل لأني، وبينما كنتُ منذ أيام أتابع "توك شو" على إحدى شاشات التلفزيون المحلية، طالعني واحدٌ من اولئك المتحزبين الببغائيين المضروب على قلوبهم، الذين إذا قال لهم زعيمهم "السماء تمطر كوكا كولا"، كرروا بلا تفكير ولا حتى تعجب: "أنظروا أنظروا السماء تمطر كوكا كولا"! فتذكرتُ آنذاك، مثلما يحدث لي كلما صادفتُ واحداً أو واحدةً من هؤلاء (وهم للأسف أكثر من الهمّ على القلب)، تذكّرتُ واقعةً رواها لنا اميل أيام المدرسة، وتركت فيّ أثراً عميقاً. 

اما الواقعة فهي انه وخلال تظاهرة حاشدة ضد وعد بلفور في احد البلدان العربية، كان المتظاهرون في الصفوف الامامية  يصرخون "فليسقط وعد بلفور"، في حين أنّ المتظاهرين في الصفوف الخلفية، الذين لم يصلهم النداء واضحاً، كانوا يصرخون "فليسقط واحد من فوق". هكذا. بلا اي تردد. وبكل ما اوتوا من حماسة.

مغزى القصة طبعاً، التوعية من اخطار الانقياد بعماء وراء اي شعار او زعيم او ايديولوجيا، من دون تشغيل فكرنا النقدي ومن دون مساءلة. حسبي ان عالمنا العربي عموماً، ولبنان خصوصاً، لن يتقدم حقاً الا متى شفيت شعوبنا من هذا المرض العضال.

ترى متى يتحقق ذلك؟ وحتّام تمطر السماء كوكا كولا؟ جلّ ما أتمناه أن لا يتأخر بنا الزمان كثيرا على هذه الحال، فيفوت الأوان.

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم