مدونة اليوم

جمانة حداد: "متى نتحضّر؟"

سمعي
مونت كارلو الدولية

إذ كنتُ أقلّب اليوم في دفاتري المدرسية القديمة، وجدتُ جملة لميخائيل نعيمة كنتُ كتبتها بخطّ يدي بتاريخ ١ أيار ١٩٨٦، وقد سطتُ تحتها خطوطاً عديدة لأذكّر نفسي بأهميتها. الجملة هي: "عندما تصبح المكتبة ضرورة كالطاولة والسرير والكرسي والمطبخ؛ عندئذ يمكن القول بأننا أصبحنا قوما متحضرين".  على هامش الصفحة، أيضاً بخط يدي، هذا السؤال: "ترى متى نتحضّر؟".

إعلان

اليوم، وبعد ٣٥ عاماً، أخشى ان اقول اننا لم نتحضّر بعد. بل على العكس من ذلك يمعن حضور الكتاب في حياة الناس بالانكماش، على حساب الديجيتال والاخبار السريعة ومنتجات الوسائل البصرية.  كنتُ لأغض النظر لو أنّ عدم التحضّر يبقى ضمن هذه الحدود، لكنّ المسألة تخطت المعقول والمقبول. فلقد قفزنا إلى الجهة المقابلة تمامًا، وأصبحنا نعيش في مقبرة ثقافية، حيث الكتاب هو الوباء الذي يهرب منه الناس، ويتفادونه، كما لو كان خطرًا جسيمًا يُحدِق بهم.

إننا نعيش، وإن من دون تعميم، في زمن مضادّ للكتاب، ومضادّ للفكر. لم تعد الحداثة معنيةً بحضارة الكلمة، ولا بحضارة البحث، ولا بحضارة التأمل والاستغراق في التفكير، بل حصراً بحضارة التسطيح والاستسهال. وهذا جانبٌ خطيرٌ جدًّا من جوانب الزمن الراهن، حيث تنحسر المعرفة المرتبطة بالكتاب، ويتم تقييم الناس وفق هذا المنظور، فيُرذَل أهل الفكر والثقافة، ويُستخَفّ بهم، ويحتلّ الأمّيّون الجهلة المناصب الرفيعة، ويديرون سياسات الأمم والدول، ويتخذون القرارات والإجراءات الخطيرة التي تترتّب عليها نتائج وخيمة، وتترك أبشع الأثر في حياة الشعوب.

ردًّا على سؤالي لنفسي متى نتحضّر، سوف أجيب اليوم بواقعية: كل شيء يشير الى أن الحضارة التي ستترسخ في المقبل من الأيام والعقود، هي حضارة أن لا نتحضّر.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم