مدونة اليوم

جمانة حداد: "الحياة القصاص"

سمعي
مونت كارلو الدولية

يقول الديكتاتور العربي لأنصاره: "لن نرضخ للتسويات والضغوط، ولن نقبل التراجع عن مبادئنا". لكنه، من وراء ظهر أنصاره المشغولة عقولهم بالانقياد العبثي له، والمشغولة أياديهم بمتطلبات التهييص والتصفيق له، يعقد صفقات سرّية تضمن أفضل سعر ممكن لقاء بيع مبادئه "الثابتة" إياها. فالديكتاتور العربي يعرف أنه يستطيع أن ينام ويحلم ويستيقظ على حرير، مهما قتل وارهب وجوّع ودمّر، معتمداً على إيمان قطيعه الأعمى فيه، وعلى تغليب المجتمع الدولي للمصالح الاقتصادية على القيم الإنسانية. 

إعلان

يقول الزعيم الديني المتطرف لأتباعه: "اقتلوا باسم الله يحبكم أكثر". ويقول: "أنا من يقرّر أسلوب عيشكم لحياتكم من المهد إلى اللحد". الزعيم الديني المتطرف يغتصب ويستبيح، ثم يتفانى ليقنع الجميع بأنه قديس. يسهر على مفاهيم العفة والحشمة والطهارة، لكنه يحلل جهاد النكاح والاتجار بالنساء والاطفال. الزعيم الديني المتطرف يعرف، على غرار الديكتاتور العربي، أنه يستطيع الاعتماد على مجتمعات مفصومة تحكمها دساتير الجهل والتخلّف، أو الخبث والتكاذب. مجتمعات بغالبيتها لا تقرأ لا تفكر لا تحلل لا تختار، بل تنقاد فحسب. مجتمعات جبانة تمارس في السرّ ما تدينه في العلن، وتنتج أجيالاً محكومة بالكبت والخوف والعُقد.

دعونا ننظر من حولنا: مآس في فلسطين على أيدي صهيونية غاصبة ومجرمة. مآس في لبنان على أيدي طبقة سياسية فاسدة ومجرمة. مآس "على مدّ عينك والنظر" في سوريا والعراق واليمن والسودان وسواها، حتى ليخيّل للناظر الى هذه البقعة من العالم أنها جحيم الأرض، وأنها المكان الذي يولد فيه أولئك الذين ينبغي لهم أن يكفّروا عن جرائم ارتكبوها في حيوات سابقة. كيفما درنا، يحاصرنا الموت والعنف والفقدان والعنصرية والتمييز والظلم ووو. نعم، الولادة في بلداننا قصاص.

ثم يجيء من يسمّي هذه الكوارث التي نعيش فيها، أوطاناً. أوطان؟ سيصبح لنا أوطان فقط عندما نتحول من أتباع طوائف وزلمة زعماء، الى أفراد ومواطنين.

جمانة حداد

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم