مدونة اليوم

غادة عبد العال: " أيامنا الحلوة"

سمعي
مونت كارلو الدولية

من فترة طويلة لاحظت ولاحظ الجيل بتاعي إن فيه بيننا وبين جيل أبائنا وأمهاتنا خلافات جذرية. مش بس الاختلافات المتوقعة بين جيلين مختلفين، لكن اختلافات رأي زي الليل والنهار. خاصة في ما يتعلق بالفارق بين مستوى المعيشة اللي احنا بنطمح له ونوع الحياة اللي هم راضيين بيه. 

إعلان

اللي احنا بنشوفه تقصير، بيشوفوه هم إنجاز، اللي احنا بنشوفه هدف، بيشوفوه هم مستحيل، اللي احنا بنشوفه نقطة بداية بيشوفوه هم نهاية المشوار وليس في الإمكان أفضل مما كان انتوا بس اللي عينيكم فارغة ومش مقدرين نعمة ربنا.

والحوارات اللي بتدور بين الجيلين في أي تجمع عائلي اللي هي دايما بتنتهي بحساسيات وتشنجات وأحيانا مقاطعات لفترة من الزمن، كلها شاهدة على كده. 

وبما إن والدي ووالدتي قد توفاهم الله، فحواراتي مع الجيل ده بتنحصر في حواراتي مع عمتي. دايما مختلفين، دايما مش مقتنعين بآراء بعض،  دايما شايفين الدنيا من منظورين متعاكسين.

فقررت إني آخد هدنة من النقاشات الثورية والحرب الفكرية بين الجيلين واسمع وجهة نظرها واتفهم جاية منين واشوف موضوع الحشيش الأخضر على الجانب الآخر من السور.

عمتي ببساطة قالتلي بصوت الحكيم في قصص ألف ليلة وليلة: أصل انتوا ما تعرفوش حاجة ولا شوفتوا حاجة، انتوا فاكرين اللي انتوا عايشين فيه ده صعب؟

تعالي احكيلك على أيام كنا بننزل فيها المخابيء عشان الغارات وقت الحرب، تعالي احكيلك عن وقت كنا بنقف فيه طابور ونجيب واسطة عشان نجيب فرخة من الجمعية، حضرتي وقت ما كنا بنقدم على خط تليفون ويركبلنا بعد ٧ سنين انتظار؟ شوفتي قرايبك وأحبابك بيموتوا بسبب أمراض تافهة زي البلهارسيا ومواليد بيجيلهم شلل أطفال عشان ماحدش كان بيوعي بأهمية التطعيم؟

يتهيألي حضرتي معانا التسعينات، كنا كل شهر فيه حادث إرهابي ولستة أسبوعية بالضحايا والمصابين.

كان المدرس في أي مدرسة أكنه مشتري العيال، ينزل ضرب فيهم ولو كسر لحد رجل والا دراع، مديرينه يقولوله كمل على بركة الله.

أرد عليها بإن التعليم ما اتصلحش، والصحة مش في أحسن حالاتها، وشبكات المحمول بتقطع، والكباري اللي بتتعمل في كل مكان بيتشال عشانها الشجر، وده أثره قاتل على البيئة وبعدين مافيش حريات، فين الحريات وفين الهامش اللي نستحقه لحقوق الإنسان، انتي ما بتشوفيش يا طنط الناس بره عايشين ازاي؟

تبصلي بتعجب واستغراب اللي بيبص لإعصار بحري بيحصل في طشت غسيل.

وبعد عدد مناقشات شبيهة أعتقد اني قدرت افهم شوية الفرق في اختلاف وجهات النظر وهي إن المقاييس مختلفة تماما.

حاجة شبيهة بسؤال: هو القطر أسرع والا النخلة أطول؟

هم المقياس بتاعهم زمني، تاريخي، بيقارن بين زمان والآن.

إحنا المقياس بتاعنا جغرافي، مكاني، بيقارن بين هنا وهناك.

لكن على أي حال هم أهدأ، وأكثر استمتاعا بالحياة، واحنا بنشوف الناقص في كل صورة وما بنقدرش نستمتع بيها بشكل عام.

هل يا ترى أيامنا حلوة واحنا مش مقدرين ومش شايفين؟

هل لو بطلنا مقارنات بناس تانية في أماكن تانية هنكون أهدأ بالا وأطيب نفسية بدل ما كل واحد فينا على موبايله على الأقل ٣ أرقام لدكاترة نفسيين؟ 

هل علينا اننا نتخلى عن روح الثورة والاعتراض والتمرد والشباب وننتقل لأماكننا في صف الكبار الراضيين الحامدين الشاكرين لأن هو ده اللي هيخلينا نستمتع بحياتنا ونوصل لحالة من راحة البال؟

والا ده هيبقى رفع للراية البيضا واعتراف بإن الحياة هزمتنا واضطرتنا للاستسلام؟ 

باسأل نفسي قبل ما اسألكم، ولسه ما وصلتش لإجابة للسؤال؟

غادة عبد العال 

 

 

 

 

 

غادة عبد العال

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم