مدونة اليوم

جمانة حداد : "ربّ ضارة نافعة؟"

سمعي 02:50
مونت كارلو الدولية

منذ صغري أسمع أمّي تقول لي كلما عاكستني الظروف: "لا تكرهوا شيئاً لعلّه خير لكم". تذكّرت هذا القول اليوم عندما فتحتُ أخبار الصباح فطالعني خبرٌ لذيذ يفيد أن عدد راكبي الدراجات في لبنان الى تصاعد بسبب أزمة البنزين. عدد راكبي الدراجات يزداد، يعني عجقة السير تخفّ، ونسبة التلوّث تنخفض، وصحّة الناس تتحسّن. فكّرت: "ربّ ضارة نافعة". ولكن "يا ريت" كل الأضرار التي ابتلينا بها ولمّا نزل، لها منافع.

إعلان

تريدون أمثلة؟ أي منفعة يمكن أن نجني مثلاً من طبقة سياسية بهذه الدناءة والوقاحة والفساد؟ هذا سؤال هو كلّ الأسئلة، ويختصرها، لكنه يرمز إلى ما هو أبعد وأعمق. إنّه يرمز إلى ما تُقاد إليه هذه الطبقة السياسية (أو ما تقود نفسها إليه)، بوعيٍ منها أو بلا وعي.

ثمّة ما هو أخطر من الفساد والفقر والجوع والمرض. الأخطر هو تجويف لبنان تجويفًا دستوريًّا نهائيًّا، بما يسهّل الاستيلاء عليه، وتغيير هويته، وحرفه عن معناه.

في هذا المعنى، ليس ربّ ضارّةٍ نافعة، ويخشى أنْ يتخطى ضرر أزمتنا هذه كل الاحتمالات، بحيث يصبح الثمن موازيًا لزوال لبنان الذي نعرفه، كأرض للتنوّع والاختلاف والحرية، ولإلحاقه بقوى الاستبداد والديكتاتورية.

يتزامن ذلك كله مع انهيار اقتصادي مقصود لم يعرف له لبنان مثيلًا ربّما إلّا في المجاعة الكبرى. الهدف منه إشاعة الفوضى، وتعميم فكرة العدم اليائس، وتفكيك القوى الاعتراضيّة، وصرف أنظار الأحرار عمًّا يُخطَط لابتلاع لبنان ووضع اليد الإيرانية نهائيًّا عليه، بأدواتٍ وقوى محلية، وبتحالفات داخلية. 

ربّ ضارّةٍ نافعة؟ نعم، ربما، في بعض الحالات، وعلى المدى القصير. 

أما على المدى الطويل، وفي حال لبنان، فالضارة ضارة للغاية. 

جمانة حداد

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم