مدونة اليوم

جمانة حداد : " أجسادنا وأثمانها"

سمعي 03:09
مونت كارلو الدولية

لفتني بل صعقني - إيجابياً- قرار حكومة النروج الحديث بتغريم وتجريم كل من ينشر صورة معدلة بالفوتوشوب على السوشال ميديا أو في الإعلانات من دون أن يذكر/تذكر أنها صورة معدلة.

إعلان

وقد جاء هذا القرار نتيجة أبحاث متنوعة كشفت ان تحسين الشكل والهيئة والبشرة بالفوتوشوب يتسبب باضرار نفسية جسيمة في اوساط المراهقات والمراهقين خصوصاً، اذ يفرض عليهم/نّ معايير جمالية مستحيلة، ويؤدي الى اصابتهم/نّ بالاكتئاب او باضطرابات  غذائية خطيرة وكل ما ينجم عنها من امراض مميتة.

اسمحوا لي ان اعلّق، أولاً، بأن أقول: يا عيني عليكِ يا اسكندينافيا! لا تفتئين تتخطين نفسك في صون الكائن البشري وحقه في حياة سليمة وآمنة وسعيدة.

ثانياً: إذا كنتُ أنا، ابنة الخمسين عاماً، الناضجة والمجرّبة، التي لها باع طويل في فضح ممارسات مؤذية كهذه، أقع أحياناً فريسة الخيبة- وحتى الحسرة نعم- عندما أرى صورة امرأة "كاملة" مقارنةً بجسدي وعيوبه، فما بالكم بفتيات يانعات بدأن للتو حربهنّ مع توقعات هذا العالم منهنّ؟ كيف نتخلّص من هذا الإرهاب ومن هذه الأثمان الباهظة لأجسادنا، في بلدان وحكومات كبلداننا وحكوماتنا، ترى الينا كأرقام كي لا أقول حشرات، لا ككائنات بشرية لها حقوق وكرامات ينبغي أن تصان؟

يحيلني هذا الموضوع الى قضية أخرى كانت هي السبب في انخراطي يوماً ما في العمل السياسي المباشر بعد عقدين من العمل التوعوي: ترى ما هو المفعول الحقيقي لجهود التوعية، مهما كانت هذه الجهود عظيمة، في غياب القوانين والإجراءات؟ وأنا إذ اقول ذلك، لا أنكر على الإطلاق أهمية التثقيف والتربية، أي التغيير من القاعدة الى فوق، لكني أدرك ايضا وخصوصاً وبشكل متزايد ضرورة أن يترافق أي تغيير في النفوس والسلوكيات، مع تغيير جوهري في القوانين والنظام، لكي يترسّخ التقدّم ويصبح جزءا لا يتجزأ من نسيج الحياة والعلاقة مع الآخر والدولة.

ما علينا: لا ينفع الأسف والتحسّر على ما ليس موجوداً عندنا، ولن يكون موجودًا على الأرجح قبل وقت طويل. لأجل ذلك سأكتفي ختاماً بأن أكرّر: يا عيني عليكِ يا اسكندينافيا.

جمانة حداد

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم