مدونة اليوم

جمانة حداد: " خيانتنا العظمى"

سمعي 03:28
مونت كارلو الدولية

رأيتها على الاوتوستراد، تقترب من سيارة تلو أخرى وفي يدها صندوق علكة. وجهها شديد الجمال تحت الغبار والوسخ والهموم. تتكىء على النوافذ، ولكن لا أحد يعيرها أي اهتمام. لم تمهلها الحياة كثيراً كي تكشف لها وجهها المخيف.

إعلان

 

في سنٍّ مبكرة جداً، عرفت هذه الطفلة أنّ العالم الذي تعيش فيه لا يرأف بالفقراء والضعاف، ولا بصغارهم. أجبرتها الظروف أن تتخلّى عن أحلامها لتواجه قسوة المجتمع. تمرّنت على الصمت والخضوع والوقوف لساعاتٍ طويلة، على أملٍ أن يأتي يوم تستردّ فيه طفولتها الضائعة. راقبتها وفكّرت: أفظع ما تواجهه هذه الفتاة ليس الفقر ولا الجوع. أفظع ما تواجهه هو تحرّش الوحوش بها. ترى كم من الأنذال يحاولون الاعتداء عليها يومياً؟ لا أحتمل تخيّل الجواب.

رأيته قرب برميل الزبالة، ينكش محتوياته بحثاً عن شيء يبيعه أو ربما يأكله. اقتربت منه وحدّثته. أخبرني أنه يستيقظ مع أبويه وأخواته وإخوته التسعة عند الفجر ويخرجون من المنزل. كل واحد منهم لديه مهمّة. مهمتّه هو أن يقود دراجته ويجوب شوارع المدينة يبحث في النفايات. زجاج. بلاستيك. معادن. يحملها على ظهره ويبيعها لمعمل الفرز لقاء مبلغ زهيد. يساعد هذا العمل عائلته في مواجهة حياة قاسية لا ترحم الفقراء ولا أطفالهم، لكنّه في المقابل عمل يسرق منه حقوقه وراحته وطفولته. لا بل ويضرّ هذا العمل المضني بنموّه الطبيعي، جرّاء حمله أوزاناً ثقيلة لا تتناسب مع عمره الصغير.

كم من أمثال هذين الطفلين في عالمنا، يكبرون مستسلمين لظروفهم القاسية؟ كم مثلهم يعملون لساعات طويلة في اليوم من دون أن يشكوا تعبهم لأحد؟ لا قيمة للطفولة عندنا ولا معنى. أطفالنا يتامى بلدانهم. أطفالنا خيانتنا العظمى. أحلامهم تُسرق، براءتهم تُسفح، وغالباً ما يكبرون على وقع الخوف أو القمع أو الظلم أو الحروب، لأننا لم نعرف أن نحميهم، ولأن البعض يصرّ على إنجابهم في ظروف لا تصون حقوقهم ولا كراماتهم.

كفى. يستحقّ أطفالنا أن يكونوا أطفالاً، لا ضحايا.

جمانة حداد

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم