مدونة اليوم

غادة عبد العال: " الألم الخفي"

سمعي 03:08
مونت كارلو الدولية

كلما حل عام الألعاب الأولمبية اجتمع المشاهدون في الملاعب وأمام شاشات التلفاز، يتابع الجميع الألعاب والمنافسات، والإحساس بالتفوق والامتياز، والتباين بين أحاسيس اللاعبين بالتحقق أو خيبة الأمل بعد الفشل في تحقيق الانتصارات المرجوة.وبينما تنصب متابعة البعض للإلعاب على الجانب الرياضي، لا تضن علينا الأولمبياد في كل مرة بقصة إنسانية تزرع بداخلنا إحساس مختلف عن أنفسنا وعن العالم. 

إعلان

هناك مثلا قصة محمد رشوان لاعب الجودو المصري اللي رفض يهزم منافسه بإنه يستغل إصابته وفضل إنه يخسر قدامه لكنه يكسب احترام الجميع بروحه الرياضية.

هناك العداء الأسباني اللي شاف منافسه  الصومالي بيوقف جري اعتقادا منه إنه وصل لخط النهاية، فقام بتنبيهه إن السباق لسه ماخلصش، وفضل إنه يفوز بالمركز التاني عن إنه يفوز بالسباق بشكل غير مستحق.

أما السنة دي فالقصة أتت من فريق الجمباز الأمريكي، لما قررت نجمته "سيمون بايلز" إنها تنسحب من المسابقات للمحافظة على صحتها النفسية، وهو القرار اللي أثار جدل كبير، بين ناس بتتهمها بالدلع وناس بتتهمها بخيانة فريق بلدها، وناس تالتة شافت إنه ببساطة من حقها لما تتعب، تستريح.

“سيمون" يمكن بدون قصد منها، وضعت مصطلح " الصحة النفسية" على طاولة النقاش.

وبينت أد إيه البعض بيتجاهل الصحة النفسية ومدى تأثرها بالعوامل المحيطة، ومدى تأثيرها على الإنسان، فقط لأن ألمها ألم خفي.

الكدمات واضحة للعيان، الكسور بتظهر في الأشعة، أمراض السكر بتظهر في تحليل الدم، وأمراض القلب والضغط بتتقاس بجهاز الضغط والسونار وأجهزة قياس ضربات القلب وعملياته الحيوية، لكن كيف يمكن قياس الألم النفسي؟

الضغط النفسي والعصبي على لاعبة زي "سيمون بايلز" كان بالنسبة لها مساوي لكسر في القدم أو تمزق في الأربطة، شيء بيعطلها وبيخليها غير قادرة على استكمال مهمتها في التنافس على الميداليات الأولمبية، لكن لأن مافيش وسيلة لقياس تأثيره عليها غير كلمتها، مش من السهل – على الرغم من شهرتها ونجاحاتها السابقة - إن كل الناس تصدقها.

فما بالك بشخص لا يملك مصداقية عند الناس ولا نجاحات سابقة، لما يقول إنه تعبان أو مضغوط أو مكتئب، مين يصدقه؟

ولأن ناس كتير بتستهتر بالتعب النفسي لأصدقاءهم، وبتهموهم إنهم بيتدلعوا، أو مزودنها حبتين، أو محتاجين بس يغيروا جو أو يتفرجوا على فيلم لطيف أو ياكلوا أكلة حلوة، بتظل نسبة كبيرة من الأمراض النفسية بدون علاج، وبيظل اللي بيعانوا منها بيتألموا في صمت، ظنا منهم إنهم مش مسموح ليهم طلب مساعدة أو راحة أو علاج.

ده طبعا بالإضافة للوصم المجتمعي للعلاج النفسي، مع إن ماحدش بيتعاير مثلا إنه عنده ضغط ولا سكر، ساعتها بيكون أمر الله، والكل بيدعوا بالشفاء للمريض، لكن صحة الإنسان النفسية تحديدا لو تأثرت بشيء بيضع المجتمع هذا الإنسان في قفص الاتهام.

رفقا بأنفسكم ورفقا بأصحابكم ورفقا بكل إنسان ألمه الخفي غير ظاهر ليكم، ويا رب نوصل ليوم تكون فيه الصحة النفسية على قائمة أولوياتنا، بدون وصم ولا اتهام.  

غادة عبد العال

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم