مدونة اليوم

جمانة حداد: "خارج لبنان "

سمعي 02:59
مونت كارلو الدولية

لم أكن أتخيّل، عندما ركبت تلك الطائرة، أن ما ينتظرني عند المقلب الآخر من البحر، مختلفٌ الى هذا الحدّ عن العالم الذي أتركه ورائي. لكأن الرحلة لم تكن من بلد الى ثانٍ، بل من كوكب الى آخر. 

إعلان

لم أكن أعرف. لكني وصلتُ ونمتُ واستيقظت وخرجتُ ومشيتُ، فعرفت. عرفتُ من وجوه الناس الرائقة، التي لم تعاني طوال الليل من انقطاع الكهرباء والموتورات. عرفتُ من ابتساماتهم، التي لم تخنقها طبقة سياسية وقحة وقاتلة لا تهتم سوى لمصالحها الخاصة. عرفتُ من ظهورهم المستقيمة، التي لم تقصمها سنوات من الغضب والذل والتفقير والتخويف. عرفتُ من خفّة مشيتهم، التي لم تثقلها سرقة المصارف المجرمة لعرق جبينهم وجنى أعمارهم. عرفتُ من أحاديثهم، التي لا تدور حول تفجيرٍ دمّر مدينتهم وقتل أبناءهم وبناتهم ولم يحاسب عليه أحدٌ حتى اليوم.

أنا الآن في دولة قانون. في دولة حقّ وحرية وكرامة وإنسانية. في دولة لم يسمع شعبها بمولّدات الكهرباء وسيترنات المياه وطوابير البنزين المهينة. في دولة إذا دخلت الى إحدى صيدلياتها وطلبت دواء، وجدته. في دولة تؤمّن لمواطنيها ضماناً صحياً ومعاش تقاعد وشيئاً لا نعرفه اسمه راحة البال. في دولة لم تتحوّل فيها رواتبنا بين ليلة وضحاها الى ٠،٠٥ في المئة مما كانت عليه. في دولة ليس رئيسها نائماً بعدما أخذ شعبه الى الجحيم، ولا رئيس مجلس نوّابها حرامياً زوج حرامية، ولا حكومتها مفقودة الى أجل غير مسمّى. في دولة لا يتحكّم بها حزب ديني مسلّح ولاءه لإيران. في دولة ليست أحزابها مافيات، ورؤساء تلك الأحزاب كلٌّ دون كورليوني على طريقته...

لا ضرورة لأن أكمل. فهمتم الفكرة. لقد عبرتُ من الموت الممأسس الى ما يمكن أن تكون عليه الحياة. 

هل سنصل يوماً في لبنان الى هذه الضفّة؟ 

صدقاً، لا أعرف. 

جمانة حداد

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم