مدونة اليوم

غادة عبد العال: " القفز من فوق حافة الأمل"

سمعي 03:05
مونت كارلو الدولية

تتلفت حولها مترددة في اتخاذ القرار، يتلفت حوله في انتظار انصراف أنظار الجميع، تتسلق الحاجز الزجاجي ببطء وتصميم، يقفز فوق سور الشرفة الخارجية بسرعة وعزم، تقف للحظة فيجري أحدهم محاولا اللحاق بها، يتعلق بيد واحدة وهو يتدلى من حافة الشرفة رغم محاولة أحدهم اليائسة للإمساك بيده، تقفز من الدور السادس للمول الشهير فتسقط مصابة بإصابات مميتة، يقفز من شرفة برج القاهرة ويسقط ميتا.

إعلان

حادثتا انتحار لشاب وفتاة في عمر الزهور، لسه في أوائل عشريناتهم، لسه طلبة في الجامعة، قرروا ينهوا حياتهم في أماكن عامة وأمام أعين الناس وكاميرات المراقبة وكأنهما يبحثان عن توثيق لنهاية عذابهما عشان يصدقوا انه هينتهي بالفعل.

اعتادت مجتمعاتنا أن تكون حوادث الانتحار أسرار عائلية بالغة الحساسية، لكن مع انتشار كاميرات المراقبة في كل مكان، مع كل حادثة جديدة يفتح الجرح لتمتد كل الأيادي فيه، فيه اللي بيكيل الشتائم للمنتحر، واللي بيهين عائلته وأصدقائه اللي وصلوه لكده، وبتغطي صوت النقاشات وتبادل الاتهامات على استفسارات خجولة عن تجاهل الإشارات السابقة للانتحار.

يشغلنا الجدل عن وضع تلك الظاهرة تحت الميكرسكوب وتحليلها ومحاولة الانتباه إلى الأسباب الدافعة ليها، كان من المعتاد إن حوادث الانتحار يكون لها أسباب متكررة، عاطل مر بضائقة مالية، طالب لم يتحمل تأنيب أهله لفشله في الثانوية العامة، آنسة تخلى عنها من أحبته. وعلى الرغم من مأساوية الحوادث دي وكون أسبابها مش مبرر للانتحار، لكننا بدأنا نشوف أنواع تانية وضحايا تانيين يجب علينا الانتباه لازدياد أعدادهم. 

فالمشترك اللي كان بين الحادثتين اللي ذكرتهم مسبقا إن الضحية في الحالتين كانت في سنينها النهائية للدراسة الجامعية، تقف بالضبط عند حافة الأمل في مستقبل وحياة جديدة، مش باقي غير شهور وممكن يكون لها مصدر دخل مستقل وأصدقاء جدد وحياة مختلفة عن الحياة اللي دفعتها لليأس.

إذا فالأمر نفسي بحت، على الأغلب مافيش أسباب مادية قهرية، الأمر كله معنوي.

وده اللي بيخلينا نسأل:

ألم يحن الوقت لنا كمجتمعات عربية للنظر للمرض أو الألم  النفسي بشكل مختلف؟

ألم يحن الوقت لاعتبار المعاناة النفسية، معاناة حقيقية تستدعي تدخل المختصين؟

ألم يحن الوقت للتوقف عن دفن الرؤوس تحت نصايح الصبر والصلاة والتقرب إلى الله وكأن المرض النفسي هو مجرد مس من الشيطان؟

ألم يحن الوقت لوضع مناهج علمية وسيستم معتمد للتعرف على إشارات الاكتئاب والوهن النفسي وتحديد الأشخاص اللي ممكن يقدموا على إنهاء حياتهم ومحاولة مساعدتهم قبل فوات الأوان؟

ألم يحن الوقت لوجود خط ساخن، وأكتر من برنامج حكومي مدعوم لمحاولة دعم ومساعدة اليائسين؟

أعتقد إن الوقت حان من زمان، وعلى الرغم من كده فالحوادث متكررة والأعداد في ازدياد، والقفز من فوق حافة الأمل أصبح له مواسم، ورغم الانتشار والتصوير والتوثيق والجدال، فلا حياة لمن تنادي. 

غادة عبد العال

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم