مدونة اليوم

جمانة حداد: "القردة أحسن منّا "

سمعي 03:22
مونت كارلو الدولية

بين صيدلانية في مصر تضربها وتسحلها مجموعةٌ من زميلاتها في مقر عملها لا لسبب سوى لأنها ليست محجبة، وبين شبه مرشّح رئاسي في فرنسا يريد أن يمنع اسم محمد، مروراً بمعدّلات الكراهية المقزّزة على تويتر، حتى بات هذا التطبيق في شكل خاص ساحة أثيرة للمعارك التي "تحت الزنّار"، يخيّل لي أحياناً أن العالم جُنَّت تماماً، وأن عدم تقبّل الآخر أدرك مستويات أبوكاليبتية، وأن البشر، كل البشر تقريباً، ما عدا قلة قليلة هم الاستثناء، باتوا يشعرون أن كل شيء مسموح لهم، وأن خطوة صغيرة، بل شعرة، هي ما يفصلنا عن شريعة الغاب وتخلّينا الكامل عن إنسانيتنا. 

إعلان

نحن الآن في مرحلة "الهومو سابينس"، أي الإنسان العاقل. ولكن إذا راقبنا القردة، التي نشأنا كجنس بشري من تحوّلات إحدى فصيلاتها، سنجد أنها لا تعامل بعضها البعض بهذه الحقارة. فكيف نزعم أننا جنس "متطوّر"؟ كيف يمكن البغضاء المقيتة والأذى المتعمّد المجاني وتحطيم الآخرين لا لسبب سوى لأنهم مختلفون عنّا والحسد المسموم والكذب السهل ونشر الإشاعات المؤذية وعدم مؤازرة مَن هم في الضيق، كيف يمكن كلّ هذا أن يُعد تطوّراً؟ شاهدتُ تقريراً يُظهر أن معظم أجناس القردة تتشارك طعامها مع مَن لا يملكون طعاماً. وإذا كان أحدها جريحاً أو مريضاً، تسهر عليه حتى يشفى. ليس لديها مفهوم النميمة ولا الحسد... مَن بين جنسنا وجنسهم هو الأكثر "تطوّراً" في رأيكم؟

ثم ماذا يعني التطوّر؟ ما هي معاييره؟ هل يعني حلّ مشكلات رياضية معقّدة أم القدرة على التعاطف مع الآخرين واحتضانهم؟ هل يعني بناء صواريخ تصل الى المريخ أم الجهوزية لحماية من هم أضعف منّا؟ هل تعني استخدام تطبيقات تكنولوجية متقدمة لسحق المختلفين أو لنفخ الإيغو، أم العمل على نشر التناغم والهناء من حولنا؟ حتى أنني صرتُ مقتنعة أنه كلما ازداد ذكاء جنس الإنسان، ازدادت شروره ونقصت سعادته.

"الإنسان العاقل"، تقولون؟ لقد تخطيناه. وحري بالعلماء أن يعلنوا أننا قد أدركنا مرحلة جديدة من هذا "التطور" المزعوم: مرحلة الإنسان الانتهازي، أو الجشع، أو المفتري، أو المجرم، أو أو أو.

فكّروا في ذلك.

جمانة حداد

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم