مدونة اليوم

جمانة حداد: "لم أتحطم لكني تعبت"

سمعي 03:19
مونت كارلو الدولية

"لم أتحطم، لكني تعبت".عندما قرأتُ هذه الجملة المستلة من قصيدة للشاعر الكبير أنسي الحاج، هززتُ برأسي على الفور وقلتُ في سرّي: صحيح. أنا أيضاً تعبتُ. تعبت حتى باتت أصغر خلية من خلاياي تئن من التعب. 

إعلان

ثم تذكرت. تذكرتُ أن هذه الحياة المتعبة، حياتي، أنا التي اخترتُها. اخترتها رغم مشقاتها وتحدياتها، رغم طلعاتها ونزلاتها، رغم وديانها والجبال. اخترت حياتي رغم كل ما وكل مَن حاول أن يدفعني الى عيش حياة أخرى، أكثر سهولة ورحابة. اخترت حياتي رغم كل عثرة أوقعتني فيها، رغم كل ذئب كان يترصد لي على منعطفاتها، رغم كل دائرة مغلقة جعلتني أدور بها، ورغم كل صحراء مرعبة أجبرتني أن أجتازها.

أقول اخترتها والحري بي أن أقول اختارتني. أو ربما قد اختارت الواحدة منّا الأخرى، أنا لأني أعشق الصعوبة، وهي لأنها أدركت أني لن أدير ظهري لها وأعود من حيث أتيت. بل سأذهب فيها الى الآخر، الى آخر الآخر الذي سوف يتيحه لي الزمن.

كثر قالوا لي إنني متهوّرة. أو مجنونة. فأجبتهم بنعم، لم لا، فهي تستحق.

كثر حذروني من الثمن الذي سيتوجب عليّ دفعه جراء اختيارها. فدفعته وأنا راضية لأنها تستحق.

كثر توقعوا أن أتخلى عنها جبناً أو تحت وطأة الضغوط، لكني لم أتخل لأنها تستحق.

هي طريق الشفافية. طريق المواجهة بدل الإخفاء. طريق القول بدل الإضمار. طريق الصراحة بدل الخبث. طريق "هكذا أنا فخذوني كما أنا أو لا تأخذوني البتة". طريق "أعيش لإرضاء ضميري وقناعاتي وأحلامي، لا لإرضاء توقعاتكم ومواقفكم". طريق "لي نواقصي ولن أخجل بها". 

هي أيضاً طريق هذه البلاد المستحيلة. طريق "أرفض أن أغادر لبنان". طريق الإصرار على الأمل رغم كثافة اليأس. طريق "سينتهي بنا الأمر الى تكسير رؤوسهم الفاسدة". طريق "لا بدّ للأخلاق أن تنتصر في آخر المطاف على النذالة واللصوصية والارتهان والجشع". طريق الحقّ والحرية والقانون والكرامة.

أجل، لقد اخترت طريقي. طريقي الخطرة، الصعبة، المنهِكة. 

وصحيحٌ أني تعبتُ، لكني لم، ولن، أتحطم.

جمانة حداد

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم