مدونة اليوم

غادة عبد العال: "من أجل مصلحة الأطفال"

سمعي 02:44
مونت كارلو الدولية

في الكثير من النقاشات والجدالات التي تثار حولنا سواء كانت عن الصحة أو الفن أو السياسة أو حتى المعمار، يسوق الكثير من المتجادلين حجة : "مصلحة الأطفال" كمبرر لأيا كان ما يتناقشون حوله.

إعلان

مطور عقاري يسوق لمشروعه بإنه يحتوي على مساحات خضراء يستمتع بها الأطفال، منصة تليفزيونية تسوق اشتراكها بالدعاية لأنها تحتوي على أكبر محتوى للأطفال، مرشح سياسي يروج لانتخابه بادعائه أن وجوده في مجلس سياسي ما سيضمن للناخب "مستقبل أفضل لأطفاله".

وكلنا اعتدنا على  تلك  الوعود اللي بنعمل نفسنا مصدقينها أحيانا وفي أحايين تانية بنكون عارفين إنها مجرد ادعاءات من أجل الاستهلاك المحلي.

لكن إلى جانب الدعاية والتسويق للمشروعات أو للأشخاص، تستخدم حجة "مصلحة الأطفال " أيضا في الكثير من الاتهامات. تهمة "إفساد الأجيال القادمة" مثلا هي تهمة مجمدة موجودة في الفريزر في انتظار أي حد يخرجها ويسخنها ويرميها في وجه أي فنان بيتجاوز خط أحمر أو بيمارس نوع من الحرية في أعماله غير معتاد عليه أو حتى بيقوم بنوع من أنواع التجريب.

بل إن فيه تهمة جديدة مستحدثة بقت تسمى "إفساد ذوق الأجيال القادمة ". وذوق الأجيال القادمة هو شيء في علم الغيب، لكن الكل متأكد إنه بشكل ما عن طريق المنع والرقابة هيحافظ عليه.

يظن جيل الآباء اللي اتربى على قناتين في التليفزيون بيقفلوا الساعة ١٢ إنهم هيقدروا يتحكموا في ذوق أولادهم بكل القنوات والمنصات والسماوات المفتوحة اللي بتظلل رؤوسهم. يظن أولئك اللي كان مصدر معلوماتهم الوحيد هو كتب المدرسة ونشرات الأخبار إنهم هيقدروا يحددوا إيه اللي بيتلقاه وعي جيل عنده إجابة لأي سؤال عن طريق محرك بحث كل ما يتطلبه هو لمسة من إصبعه.

يظن من تعلموا أن "من جد وجد ومن زرع حصد" و" اللي ياكل على ضرسه ينفع نفسه" إنهم يقدروا يقدموا مبررات مقنعة بمنطقية طريقة تربيتهم لجيل بيشوف كل يوم مليونير بيولد بسبب رقصة على تيكتوك ومشهور بترتفع أسهم شهرته كلما ارتكب حماقة وصورها ورفعها ع اليوتيوب.

مش معنى كلامي دعوة جيل للتخلي عن مسئولياته أو إنه يضرب عرض الحائط بواجبه في تربية وتهذيب وإعداد الجيل التالي له لمواجهة الحياة، لكن يا ريت ننتبه لسرعة امتلاك الأجيال الجاية لوسائل بتتيح ليهم التعرف على العالم بطريقة مختلفة تماما عن طريقة تعرفنا عليه. طرق بتحتم علينا التوقف عن استخدام أدوات قديمة زي الرقابة خارج سياق الزمن أو زي المنع.

كل مرة بيتم منع فيلم بيحتل بؤرة الاهتمام، كل مرة بيتم منع أغنية أو لوحة أو كتاب بيزيد الإقبال على اقتناءهم مليون ضعف. كل مرة بيعلو صوت حد عشان يشخط في الأجيال الجديدة ويقولهم إنهم بيسمعوا أو بيشوفوا أو بيقرروا أو بيتصرفوا بطريقة غلط، كل اللي بيعملوه إنهم بيحطوا سماعاتهم في ودانهم وبيعلوا صوت الموسيقى اللي بيسمعوها وبيبعدوا خطوة زيادة عن الأجيال اللي سبقتهم لتتسع الهوة أكتر وأكتر بين الأجيال.

غادة عبد العال

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم