مدونة اليوم

غادة عبد العال: " عبيد التريند"

سمعي 02:45
مونت كارلو الدولية

كان للتقدم العلمي والمستحدثات التكنولوجية دائما جوانب سلبية، مما يجعل البعض ينظر لها دائما كسلاح له حدين، يمكن أن يستخدم لخير البشرية أو يستغله البعض لشرها.

إعلان

ولكل فائدة من فوائد التقدم هناك جانب سلبي قد يضر ببعض الناس. فالثورة الصناعية قد نقلت مجتمعات كاملة للأمام اقتصاديا لكنها في الوقت ذاته أضرت بأصحاب المهن اليدوية. وعصر السموات المفتوحة والعالم الذي انفتح شرقه على غربه واتصل شماله بجنوبه عن طريق الإنترنت، تسبب في اقتراب البشر بشكل غير مسبوق، لكنه تسبب أيضا في تصدير الزيف والتصنع لحياة الكثيرين.

وبينما أعطى إضافة كاميرا لكل تليفون محمول الفرصة للكثيرين لتخليد لحظاتهم الشخصية، وبينما أعطى البعض الآخر الفرصة ليكون مواطن بدرجة صحفي تليفزيوني، قادر على متابعة وتسجيل حدث ما، ونشره في ما بعد لملايين الأشخاص المهتمين بالمتابعة، إلا أن الأمر لم يتوقف عند الأمكانية وبس..

في كل حادثة بتحصل على طريق أو في مدرسة أو في شارع أو حتى داخل بيت، بنكون ممتنين إن فيه حد كان موجود في اللحظة المناسبة عشان يصور ويخلينا شايفين الحدث بشكل أفضل وبالتالي نقدر نحكم بشكل أكثر موضوعية، لكن في أوقات كتيرة بيتوقف البعض عشان يسأل، طب اللي بيصور ده مش كان أفضل إنه يسيب التليفون ويساعد المصاب أو يوقف الاعتداء، أو يمد إيده يشيل الطفل اللي بيعيط؟  وفي أحيان كتيرة ده بيكون سؤال منطقي ومحتاج إجابة، خاصة لأننا بقينا نشوف فيديوهات كتيرة لحوادث كانت نتائجها هتكون أقل جسامة لو بس الشخص اللي بيصور ساب التليفون من إيده ومد يد المساعدة.

لكن الأمر أصبح حتمي، وكأن كل مواطن أصبح بيستمد قيمته من اللي بيصوره، ومدى جسامة الحادثة أو الفضيحة أو السر العظيم، لأن كل ما كانت الفضيحة أكبر كلما كانت نسب المتابعة أعلى وكلما احتل الموضوع قائمة التريندات، وكلما شعر صاحب الفيديو إنه أسدى خدمة جليلة للمجتمع، حتى أصبح عندنا مواطنين يمكننا أن نطلق عليهم ببساطة لقب “عبيد التريند”.

مؤخرا مثلا انتشر فيديو لمدرسة خرجت في رحلة مع زملاء ليها، اشتغلت الموسيقى فقام الكل داخل مركب نيلي، وتحت الشمس المشرقة بالرقص والغناء. شخص ما رأى في المشهد فضيحة، فصوّر ونشر وعلّق، وفجأة انتشر الفيديو كالنار في الهشيم. وعلقت المشانق للست الوحيدة اللي في الموضوع، اتحولت للتحقيق، تم فصلها من عملها، زوجها لما لقى – اللي اعتبرها فضيحة - بتكبر طلقها. واتدمرت حياة امرأة فقط لأن أحدهم شاف في مشهد عابر من مشاهد حياتها فرصة لركوب موجة التريند.

أحد أصدقائي الأعزاء دايما بيقول إن أسوأ حاجة عملها التقدم التكنولوجي إنه مسك كل بني آدم تليفون بكاميرا، والحقيقة إن بعد كمية الفضائح والحيوات اللي بتتدمر، والتجسس على الخصوصيات، وعبيد التريندات، مش قادرة أقوله بضمير مرتاح إنه غلطان.

غادة عبد العال  

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم