جمانة حداد: "أي عيد؟ "

سمعي 03:05
مونت كارلو الدولية

إذا كانت لغة القوّة لا تزال الآن، وأكثر من أيِّ وقتٍ مضى، تحكم العالم، وتتحكّم بمصيره، بعد كلّ ما شهدته البشريّة في تاريخها الطويل من اقتتالات وحروب، وما اختبرته من ويلات وفظائع، فهل من مكانٍ، بعدُ، للشعر، في هذا العالم الدمويّ، اللاهث وراء موته التراجيديّ المقبل؟

إعلان

قبل أيّام قليلة، في الحادي والعشرين من شهر آذار، قيل إنّ هذا العالم الهمجيّ الماجن كان يحتفل بيوم الشعر، وهو نفسه يوم الأمّ. عجبًا لهذا العالم. كيف يقتل بيد، ويكتب الشعر بيدٍ أخرى؟ وكيف له أنْ يزرع الدمار ويتجرّأ أنْ يقدّم وردة لأمٍّ ثكلى؟

وإذا كتب العالم الشعرَ، وإذا ركع مطأطئًا أمام الأمّ، وعاد في ليله ليهجّر الملايين، ويدفن الملايين، ويطلب من الأمّهات أنْ يزغردن له، أفيكون ثمّة مكان للغةٍ غير لغة الموت؟

وأيّ معنى لهذه الحياة تحت سطوة هذه المعادلة؟! وأيُّ انفصامٍ؟ 

أنظر إلى بيروت مثلما أنظر إلى كييف، فلا أرى إلّا شعرًا يئنّ من يأس الكلمات. ولا أرى إلّا أمّهاتٍ يشتهين لو لم ينجبن يومًا ولم يحتفلن بولادة ابن أو ابنة.

هل من مكان تحت الكوكب يهاجر إليه الشرفاء والأنقياء والفقراء والتعساء والمضطهدون والجياع والمشرّدون والضعفاء، ولا تصل إليه يد القتل والدمار والطغيان؟ 

لا الشرق ملجأ، ولا الغرب. لا الشمال، ولا الجنوب. فإلى أين أنتَ تأخذ الحياة أيها العالم السكران بوحشيّتك اللامسبوقة؟ 

لو سأل قاتلٌ الشعرَ، لو سأل قاتلٌ أمّاً، ماذا تقولان عنّي، فأيّ جوابٍ كان يعطيه الشعر، بل أيّ جواب كان يمكن لأمّ أن تعطيه للقاتل؟

من بيروت إلى كييف، وبالعكس، وحده الليل هو اللغة المشتركة. وهذا الليل طويلٌ طويلٌ للغاية، وهو موتٌ، ربّما لا قيامة منه.

رغم كل هذه الوحشية، ورغم كل هذا الموت، كل عيد وأنتَ بخير أيها الشعر.

كلّ عيد وأنتِ بخير أيّتها الامّ.

جمانة حداد

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

ابق على اطلاع دائم بالأخبار الدولية أينما كنت. حمل تطبيق مونت كارلو الدولية