جمانة حداد: " الحديقة"

سمعي 02:57
مونت كارلو الدولية

لفتتني في قراءاتي اليومية هذه الجملة الصافعة للفيلسوف العدمي أرثور شوبنهاور، مستلةً من "كتاب العالم بصفته إرادةً وتصوّرًا". يقول: ما يتسبب بالتعاسة هو السعي وراء السعادة، بافتراض أكيد أننا سنجدها في الحياة. سيكتسب الشباب الكثير لو تمكّنوا من تخليص أذهانهم من الفكرة الخاطئة بأنّ لدى العالم صفقةً عظيمة سيعرضها علينا". 

إعلان

معه حقّ شوبنهاور. العالم لن يعرض علينا صفقة عظيمةً، ولا خصوصًا سيعرض علينا صفقةً تقوم على السعادة.

العالم وحش. وكلّما توهّمنا أنّ الوحش سيتدجّن، أوقعنا أنفسنا في مراراتٍ وخيباتٍ لا قعر لها.

كلٌّ ما في الامر، أنّ على كلّ واحدٍ منّا أنْ يتوقّع الأسوأ والأفدح في هذه الحياة، وليس عليه سوى أنْ يتفادى ما يمكنه تفاديه من هذه الفظائع المحتملة.

ما يجري في عالم اليوم، يثبت مرّة جديدةً أنّ غريزة العالم، أن فلسفته، مبنيةٌ على العنف، على القتل، على  الإلغاء. وإذا كان ثمّة حياةٌ للناس فهي ستُعاش على تلالٍ من الجماجم البشرية.

كان لبنان على الدوام بؤرةً للاحتمالات المختلفة والمتناقضة. عندما يحلو لأحدهم أنْ يخلّ بهذه الهندسة الهشّة، كما هي الحال في لبنان اليوم، فلا بدّ أنْ تكون النتيجة وخيمةً للغاية: إفلاسٌ ماليٌّ، فقرٌ اجتماعيٌّ، بؤسٌ وجوديٌّ، يأسٌ أبوكاليبتيٌّ، وتعاسةٌ ما بعدها تعاسة.

ما العمل حيال هذه المأساة؟ شيءٌ بسيطٌ للغاية.

أعود إلى عنوان كتاب شوبنهاور. إذا كان العالم إرادةً وتصوّرًا، فلنصنع عالمًا لنا، نريده ونتصوّره، يكون مضادًّا لصفقة التعاسة المقرّرة لنا.

هل من الصعب أنْ يصنع المرء لنفسه حديقةً صغيرة، تقيه الهول الذي يعتري لبنان ويعتري العالم؟ 

شيءٌ من الأمل. شيءٌ من الإرادة. شيءٌ من التصوّر. من الحبّ. من الإبداع. من الحلم، في مقدوره أنْ يتحدى وأن يشقلب الأمور رأسًا على عقب.

هل يستحيل علينا كلبنانيين أن يصنع كلٌّ منا لنفسه، حديقةً مماثلة؟! 

لن يهدي إلينا أحدٌ هذه الحديقة – الصفقة. فلنُهدها نحن إلى أنفسنا.

جمانة حداد

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم