غادة عبد العال: "في عش الدبابير"

سمعي 02:53
مونت كارلو الدولية

ما زال صناع الدراما يعتبرون الموسم الرمضاني فرصة سانحة لعرض ومناقشة قضايا يتمنون وصولها لوعي المتفرج، والموسم الحالي لا يختلف في ذلك عن سابقيه. والقضية التي تم تسليط الضوء عليها هذا العام هي قضايا المرأة، والتي تم معالجتها في عملين أحدهما كوميدي خفيف والآخر درامي يميل إلى المباشرة وقذف الحقائق في عيون المشاهد لعله يرى.

إعلان

ووجه المسلسل كالمعتاد بموجه من الصياح الذكوري المتوقع واللي بيركز دايما صياحه عن كون الأعمال الشبيهة بتفتح عيون الستات وتحرضهم على التمرد، مع وجود جزء أقل من الصياح يعترض على تمثيل غير متكافئ للمرأة والرجل في هذه الأعمال وكأن سنين وسنين من تمثيل الرجل المخدوع المحترم والزوجة اللعوب الخائنة ما كانتش كفاية.

الاعتراضات كانت متوقعة والمباراة بين النساء والرجال في التعليق على أحداث العمل الفني كانت الأبرز على الساحة ففي حين اتهم الرجال ان العمل غير موضوعي ويميل للمبالغة، أكدت النساء إن الحقيقة أكثر ألما وإحباطا وأذى بكتير عن الخيال.

حتى وصل العمل لنقطة حرجة ألا وهي إثارة نقطة استغلال الغطاء الديني لحرمان المرأة من بعض حقوقها عن طريق تفسيرات معيبة أو اختلاط التقاليد بالدين أو عدم مناسبة التفسيرات الدينية القديمة لتغيرات الزمن، وهنا بدأت العاصفة، وترك الجميع السبب الرئيسي من صنع العمل ومناقشة قضاياه وانبروا للدفاع عن التراث الديني والشرع والفقه والدين نفسه حتى وإن لم يهاجمه أحد. فقط استساغ البعض التوجه المعتاد لمجتمعاتنا بوضع المشاكل المجتمعية في سياق مقدس عشان ما حدش يهوب ناحيتها.، بالذات المشاكل المجتمعية الخاصة بالنساء، حيث يدعي البعض أن الإيذاء البدني مذكور في القرآن، وامتهان الكرامة يساوي القوامة، والمعاملة الدونية تنفيذ لحديث : كلكم راع و كلمكم مسئول عن رعيته، وهكذا.

ومع كل ادعاء بقدسية الإطاحة بحقوق النساء، تتعاظم المشكلة، ومع كل ادعاء بتنزيه الآراء الفقهية عن النقاش يظل السور الخفي بين الجنسين في مجتمعاتنا يزداد ارتفاعا، وتظل كل دعوة للإنسانية مرفوضة، وكل دعوة لموائمة الزمن مذمومة، وكل دعوة للنظر في مظلوميات النساء محل سخرية.

في رأيي أن أحد أكبر أسباب معاناتنا في الوطن العربي، هو هذا الخلط المؤذي بين التقاليد والدين، يليه هذا التقديس غير المبرر لآراء فقهية بعضها كان يلائم عصرها لكنه الآن يحتمل إعادة النظر.

أما أكبر مصائبنا على الإطلاق فهي الإيمان الشعبي بأن الشرع يمكنه أن يتعارض مع الإنسانية، وإذا تعارضا فيجب علينا إطاعة الشرع ولتذهب الإنسانية للجحيم.

المشكلة الرئيسية الآن هي في إن أي عمل فني هيهوب ناحية أي من تلك القضايا الملتهبة فهو معرض لإن الناس تنسى قضيته الأساسية وينجرفوا في نقاشات بعيدة عن أهدافه، فتميع القضية وتضل عن طريقها، لكن لا يسعنا على أي حال إلا أن نحيي كل عمل فني قرر أن يقدم أفكاره ببسالة ويضع يده في عش الدبابير.   

غادة عبد العال   

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم