غادة عبد العال: "أكثر شيء جدلا "

سمعي 02:46
مونت كارلو الدولية

ورد في سورة الكهف: “وكان الإنسان أكثر شيء جدلا"، وأنا أظن أنه لا يوجد في العالم الآن شعوب تعشق الجدل أكثر من شعوبنا العربية. فقد أصبحنا مع كل حدث أو حادثة متخصصين في ترك لبّ الموضوع والغرق في الهوامش، وكأننا بنو إسرائيل حين أمرهم الله أن يذبحوا البقرة.  

إعلان

كانت آخر الحوادث اللي تبدو ظاهريا إنها لا تتطلب الخوض في أي جدل هي حادثة اغتيال الصحفية الفلسطينية "شيرين أبو عاقلة" اللي تم قتلها قنصا أثناء تغطيتها لاقتحام قوات الاحتلال لمخيم جنين.

الحادثة على الرغم من بشاعتها وثقلها التاريخي لكنها من المفترض أن تكون بسيطة من ناحية التحليل.

صحفية قتلتها قوات احتلال. إذا فهي جريمة تستدعي الحزن والغضب وتؤجج شعورنا ببشاعة الاحتلال، كما تدفعنا للترحم على الفقيدة وتذكر سيرتها بما تستدعيه من الاحترام والتبجيل ولا نبالغ حين نمنحها لقب شهيدة الواجب والوطن والمهنة. ده رد الفعل الطبيعي! لكن هل يحدث في أوديتنا الطيبة حاليا أي شيء يمكننا تسميته برد فعل طبيعي؟

بينما كان البعض بينتظر أن تهب المظاهرات في كل مكان للتنديد بالحادث وأن نتذكر طابور الشهداء اللي سقطوا على أيدي الاحتلال الغاشم اللي لسه بيروج لنفسه في الخارج  على إن كل عملياته ما هي إلا مجرد دفاع عن النفس، أو تنظيم الوقفات الاحتجاجية أمام المنظمات الدولية للطلب بالتحقيق في الحادث اللي مش الأول من نوعه في تاريخ استهداف الاحتلال للصحافيين ومش هيكون الأخير. أو أن تقام ليالي ثقافية تسرد تاريخ الفقيدة وتحيي سيرتها وتضغط للتحقيق في ملابسات اغتيالها !

لكن اللي حصل إن فيه شخص ما في مكان ما تفتق عن ذهنه سؤال ليس له محل من الإعراب.  إذ خرج علينا أحدهم يتساءل عن ديانة الفقيدة. وهنا انفتحت أبواب الجحيم واختفت كل المناقشات وردود الأفعال المنطقية لتبتلع معركة جدلية واحدة كل الساحة حين بدأ الناس ينتظمون في جيشين، الجيش اللي بيدافع عن إمكانية الترحم على شيرين، والجيش اللي بيحذر أي حد يترحم عليها فقط لأنها مسيحية.

ويخطئ من يظن أن شيرين لو كانت مسلمة لانتهى الجدل. بل كنا هندخل في جدل تاني متعلق بإنها لا ترتدي الحجاب. ولو كانت ترتديه لدخلنا في جدل تالت حول ارتدائها للحجاب أثناء ارتدائها للبنطلون مثلا وليس للعباءة الإسلامية. وإن ارتدت العباءة كنا هنشوف ناس بتتكلم عن إن وجهها أو صوتها أو صوت خطواتها على الأرض عورة.

وفي كل الأحوال، يشاهدنا القاتل من بعيد وهو مبتسم إذ إن ماحدش بيجيب سيرته ولا حد مهتم يبرز أو يسلط الضوء على جريمته بالقدر الكافي، بينما أصبح همّنا الأكبر أن نسأل عن دين الشهيدة، كما سأل أسلاف القاتل عن لون البقرة. وهكذا أصبحنا في عشق الجدل نفوق من أنزل الله في جدلهم قرآن يتلى إلى يوم الدين.

 

 

 

 

 

 

 

غادة عبد العال   

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم