غادة عبد العال: "بلاعة أم هاشم"

سمعي 03:01
مونت كارلو الدولية

شعوبنا ككل الشعوب اللي ليها تاريخ قديم وحضارة عريقة بيؤمنوا بالماورائيات. السحر، الحسد، الفأل الجيد والفأل السيء.. إلخ، فكلما كان للشعوب تاريخ وخبرة طويلة في الحياة، كلما أدركوا إن الحياة طبقات مش بالضرورة نكون شايفينها كلها في نفس الوقت. لهذا تجد إن حتى أكتر الناس عملية بيسيب في حياته مكان لاحتمالية صحة اللي بيقولوه عن إن فلان عينه وحشة، أو إن علانة بتعمل أعمال، أو إن اليوم مش هيبقى تمام لأنه كسر مراية أو عدى من تحت سلم أو شاف قطة سودة وهو رايح الشغل.

إعلان

تحب شعوبنا حبا جما أن تخلط الماورائيات بالدين. البعض مثلا بيتبارك بشجرة يقال إن السيدة مريم استراحت عندها أثناء زيارتها لمصر. حكت لي صديقة عن تشاجرعدد من زميلاتها في أحد المعاهد الدينية للشرب من نفس كوب عصير البرتقال اللي شرب منه شيخ مشهور. في زيارة لسيناء وجدت بعض البدو بيبيعوا أجزاء من الحجارة وبيدعوا إنها بركة من الجبل اللي كلم موسى الله من فوقه.

كل ده موجود من زمان واعتدنا عليه.

لكن أن يصل بنا الأمر إن البعض يتبارك ببلاعة مجاري؟ فيبقى لنا هنا وقفة!

الأخبار بتقولنا إن أهل إحدى القرى في البحيرة أشاعوا إن مياه بلاعة معينة في قريتهم بتشفي الأمراض المزمنة. وإن أكتر من شخص جربوا ولقوا انهم شفيوا من أمراضهم تماما .!

وهنا يجب علينا اننا نطرح أكتر من سؤال:

مين هو أول واحد قد يكون تفتق ذهنه عن الفكرة دي؟ يعني إيه مواصفات الشخص اللي يبص على بلاعة ويفكر: يا ترى أنا لو استحميت بالماية دي ممكن أخف من أمراضي؟

السؤال التاني: مين يا ترى تاني واحد نفذ الفكرة؟ يعني إيه هي نوعية الشخصية اللي حد يقوله مش أنا استحميت بماية البلاعة دي خفيت من كل أمراضي؟ فيجاوب عليه ويقوله: صادق والله صادق. أما أقوم أجرب أنا كمان!

السؤال الثالث: ما لفتش نظركم الريحة يا جماعة؟ ما هو نوع البركة اللي ممكن تكون محاطة بريحة المجاري والفضلات؟

وإيمان أهل القرية بإن البلاعة مباركة بالطبع له خلفية دينية، إذ إنها بيصب فيها مصارف مخلفات ٣ مساجد!\ وده بيرجعنا تاني لأسئلة كتيرة متعلقة باختلاط الدين بالخرافة، وإحاطة الخرافة بغلاف الدين. وبخطورة ارتباط التدين الظاهري بالجهل وقلة الوعي وسطحية التعليم.

هل شيوخنا الأعزاء شايفين معانا الصورة؟ هل ماعندهومش أي قلق من تعاظم أهمية التدين الظاهري والتدين الشعبي والتدين المختلط بأفكار الجهل والظلام.

من أكتر من نص قرن أشار الكاتب يحيى حقي لنفس المشكلة في روايته الرائعة: ”قنديل أم هاشم". حين كان بعض الجهلة بيتباركوا بزيت قنديل مسجد السيدة زينب  وبيضعوه في عيونهم مما كان بيتسبب في إصابتهم في نهاية الأمر بالعمى. مين كان يصدق إن بعد أكتر من ٧٠ سنة لازلنا واقعين في نفس المشكلة، الفرق بس إن ريحتها فاحت بطريقة نتمنى انها توقظ البعض من سباته العميق وتخليه يقوم بدوره في محاربة الجهل والخرافة المختلطة بالدين.   

غادة عبد العال   

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم