غادة عبد العال: " خلط العلم بالدَّرْوَشَة"

سمعي 02:48
مونت كارلو الدولية

ولأننا شعوب وجدت نفسها في مهد الأديان، ولأن الدين جزء لا يتجزأ من هويتنا وثقافتنا وحياتنا. فاحنا حريفي خلط الدين بكل ما يمكن ولا يمكن خلطه به. تشتكي إحداهن من الخناقات الزوجية اليومية، فينصحهوها بتشغيل سورة البقرة في البيت. تشكتي أخرى من وجود نمل في مطبخها تنصحها صديقة أن تحدثهم وتستحلفهم بالله وهيمشوا ومش هييجوا تاني. يتحدث أحدهم عن إن سيارته ضيفة دائمة عند الميكانيكي فيتسائل صديقه بجدية: إنت مش حاطط فيها مصحف والا إيه؟

إعلان

ممارسات شعبية معتادة تتم بشكل يومي ومفهومة في إطار البعد الثقافي للمنطقة. لكن عندما يصل الأمر للعلم والعلماء والمرض النفسي ومشاكله، يبقى لازم نتوقف قليلا.

تصريحات (المرض النفسي لا يقترب من مؤمن)، و(مافيش حد قريب من ربنا بيكتئب) مش تصريحات ولا معتقدات جديدة. هي معتقدات تمت مناقشتها والرد عليها وتفنيدها مرة بعد مرة..

وبينما القرب من ربنا في إطار العلاج نفسي ممكن ترجمته في ثقافات تانية لفكرة الميديتيشان أو التأمل أو الروحانيات. ويمكن تفهم تأثيره على نفسية البعض ومساعدتهم للتعامل مع ضغوط الحياة. لكن المشكلة في حالتنا إن لو حد قالك إنت ما بتعملش ميديتيشان كويس، أو ما بتتأملش بشكل عميق كفاية. مش هيحس بالإهانة ولا بالوصم. لكن لما تقول لحد: ماهو انت لو كنت قريب من ربنا ماكنتش هتمرض كده. أو الناس اللي قريبين من ربنا مش بيمرضوا زيك كده. هنا الوضع مختلف. هنا هيحس بالإهانة والوصم ويمكن كمان هيحس بالذنب وإن هو السبب في مرضه وإنه يستاهل اللي يجراله.

وبعدين مين ده اللي بيحدد إنت قريب من ربنا أد إيه؟ .. بتتحسب ازاي يعني؟

يعني على بعد كام كيلو؟ كام متر؟ كام سنتيمتر تكون قريب من ربنا وعلى بعد أد إيه تبقى بعيد؟

وإزاي ممكن نقرب من ربنا؟ .. هل حد عنده كتالوج؟ .. هل يكفي الالتزام بالصلاة والصوم؟ هل هي النوافل؟ الذهاب للحج؟ .. التمرغ فوق عتبات المساجد؟

هل ممكن إخواننا اللي بيقدموا النصيحة دي بثقة قوي كده يصدرولنا كتاب: كيف تقترب من الله .. بدون معلم!

وبعدين ليه الظن إن اللي قدامك ده بعيد عن ربنا؟ يعني مش أكتر لياقة انك تقوله مثلا: إنت أكيد قريب من ربنا، ده إن شاء الله يساعدك إنك تطلع من الأزمة دي بسرعة.

يعني أهو ظن برضه، بس ع الأقل ظن حسن.

في ثقافات تخلط الدين بكل شيء، ومسألة مين متدين ومين لأ، هي مسألة شديدة الحساسية والتأثير، يجب على أطباءنا وعلماءنا الأعزاء الحذر من خلط العلم بالدروشة، والميل إلى الحصول على التأييد الشعبي عن طريق تصريحات الصحافة والإعلام اللي بتغازل المزاج الديني للجماهير على حساب مرضى في أمس الحاجة للدعم العائلي المجتمعي عشان يلاقوا بداية طريق التعافي. بعيدا عن الوصم واللوم والتأنيب.

غادة عبد العال   

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم