جمانة حداد: " نيّالنا! "

سمعي 02:35
ㅤ
©

يفترض، في عالم طبيعي وموزون، أن يكون جسد الإنسان ملكَه وحده، وأن تكون رغباتُه وميولُه من أكثر الأمور خصوصية على الإطلاق، ولا تعني أحداً سواه طالما يمارسها في إطار العلاقة الطوعية بين راشدين.  

إعلان

لكن الجسد في بلداننا ومجتمعاتنا وأدياننا يغدو بمثابة "ملك عام"، وتغدو الرغبات والميول الجنسية قضية نقاش شعبي يحق للجميع إبداء الرأي فيها وفرض القرارات والأحكام وتحديد ما هو "طبيعي" و"مقبول" وما هو لا.

هكذا فإنه حتى اليوم، ورغم كلّ محاولات الضغط من الجمعيات الحقوقية، ومن التطوّر المفترض للعقل البشري، وحسم العِلم بأن المثلية ليست "مرضاً" ولا "شذوذاً"، لا يزال العديد من المنتمين الى مجتمع الميم عين عرضة للانتهاكات الجسدية والنفسية والمعنوية والقانونية في لبنان وسواه من بلدان العالم العربي والعالم.

وما الأحداث التي جرت أخيراً في بيروت إلا أبشع دليل على ذلك، من تخريب للافتة من الأزهار بألوان قوس قزح رفعتها إحدى الجمعيات في مناسبة "شهر الفخر للمثليين"، ومن استنكارات واعتراضات تحث على الكراهية والعنف عبّر عنها رجال دين على اختلاف أطيافهم، فضلا عن القرار المعيب الذي أصدره وزير الداخلية اللبناني بسام المولوي بمنع النشاطات التي، على حدّ قوله، "تروّج للمثلية الجنسية التي تتعارض مع العادات والتقاليد في مجتمعنا العظيم وتتناقض مع مبادئ الأديان السماوية".

عاداتنا وتقاليدنا، إذاً، تقوم على القمع والتخلّف والتمييز. ومبادئ الأديان السماوية، إذاً، تدعو الى النبذ والكره والعنف. هذا ما يعبّر عنه قرار وزير الداخلية، وهذا ما تثبته مواقف أطراف مثل دار الفتوى و"جنود الرب" وشيخ عقل الدروز وسواهم من الحريصين على الفضيلة والأخلاق في لبنان. أما الفساد المالي والسياسي المستشريين في تاريخ غالبية الطبقة السياسية وحاضرها، وأما التدخل السافر في القضاء الذي ما زال يحول دون محاسبة المسؤولين عن انفجار بيروت المجرم، وأما التفقير والإذلال و"التهشيل" الممنهجة للشعب اللبناني، فهذه كلها لا تنال من الفضيلة ولا تغبّر على الأخلاق. فـ "نيالنا" وألف نيّالنا بهذه التقاليد الاجتماعية، وبهذه المبادئ الدينية! 

ترى متى يستوعب أمثال هؤلاء أن الحريات الفردية للناس مقدّسة، وأن ليس على الجميع الانصياع لمبادئ البعض الدينية، وأن لا دخل لأحد على الإطلاق بما يقوم به راشدان في ما بينهما، وأن الاعتراض على الظلم حقّ، والأهم: أن المثلية الجنسية ليست "موضة" ولا "عدوى"؟!

قليلٌ من الفهم ينعش عقل الإنسان!

جمانة حدّاد

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم