جمانة حداد:"الفرق"

سمعي 03:15
ㅤ
©

حوار في مكان ما في المكسيك. السؤال: ماذا تفعلين في الحياة؟الجواب: كاتبة وصحافية وأقدّم برنامجاً على التلفزيون.الردّ: واو! كاتبة! ماذا تكتبين؟ هل لديك إصدارات هنا؟ الحوار نفسه في مكان ما في لبنان. السؤال والجواب يتكرران. لكنّ الرد مختلف: واو! بتطلعي ع التلفزيون؟ وين؟ أيّا محطة؟

إعلان

لا أريد أن أعمّم، لكن الأكيد أنه شتان ما بين التقدير للكتاب والكتّاب هناك، والاستهتار بهم هنا. وشتّان ما بين الانفعاط بالظهور التلفزيوني هنا، واللامبالاة به هناك. لستُ أتحدث فقط عن المكسيك ولبنان، أو عن الغرب والعرب، بل عن عالمين تفصلهما هوّة سحيقة من المعايير الثقافية والاجتماعية والأخلاقية المتباينة: العمق مقابل السطح. 

ولكن أبعد من إدراك هذا الفرق المؤلم، والشعور بنتائجه المأسوية خصوصاً، لا بدّ من محاولة تحليل أسباب هذا التفاوت الفظيع على مستوى ما يستحق الانتباه والاهمية والاحترام. لماذا نحن هكذا؟ أبسبب الحروب؟ البلدان كلها عاشت حروباً، بعضها أقسى وأعنف من حروبنا. أبسبب الأوضاع الاقتصادية المزرية؟ ليس أفقر من شعوب أميركا اللاتينية، لأعطي مثالاً واحداً لا غير، وفي المقابل ليس أكثر منها إجلالاً للأدب والفن والخلاقين. أبسبب فساد السياسيين، أو انتشار البطالة، أو أو أو؟ لا ولا وألف لا. السبب واحد وحيد- وأكرّر، من دون تعميم: التربية التي منذ نعومة الأظفار لا تولي الأهمية الكافية للعقل والوعي والمعرفة، وتركّز على الشكل والمظاهر والشهرة. وإذ أقول التربية، أعني المنظومة المتكاملة المتواطئة ضد الأجيال الناشئة: مقاييس الأهل المشوّهة والمتوارثة بعماء، المناهج الدراسية الببغائية الطابع، والسياسات الحكومية التي تتعامل مع الثقافة والتعليم وكأنهما ترف، هذا إذا فكّرتْ فيهما على الإطلاق. لا خطط، لا رؤى، لا موازنات ولا من يحزنون. أجيال كاملة تتربى على القشور والفراغ. ويظل الاستثناء من كان له حظ الولادة في عائلة وأجواء تعرف قيمة الفكر عموماً، والتفكير خصوصاً.

في أحد الأيام، سيتغيّر هذا كلّه. في أحد الأيام، سنعرف قيمة أدبائنا وفنانينا. لا بدّ أن نصدّق ذلك.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

ابق على اطلاع دائم بالأخبار الدولية أينما كنت. حمل تطبيق مونت كارلو الدولية