جمانة حداد:" كلمات لا نقولها بما يكفي (1)"

سمعي 03:35
ㅤ
©

هناك كلماتٌ لا نقولها بما يكفي. كلماتٌ- جوهر، كلماتٌ- خلاص، كلماتٌ- حياة. كلماتٌ يليق بها أن تكون هي اللغة، لأن اللغة، بل اللغات كلَّها، كأنها اختُرِعت لكي نقولها هي بالذات، تلك الكلمات، تلك الشموس... لكننا نأبى ونتمنّع، لأننا نخافها. 

إعلان

هناك كلماتٌ لا نقولها بما يكفي. نخافها نخاف قولها لأنها تعرّينا. لأنها تجعلنا في الهشاشة. ولأننا نريد أن ننسى أو نتناسى أن الهشاشة هي حقيقة الإنسان الذي فينا: الإنسان مجرّداً من نفوذه المصطنع، من أسلحته الجبانة، من تكابره الذي هو ضعف، من إنكاره الذي هو مخدِّر، من ثرواته اللا لزوم لها، من بطشه من طمعه من عجرفته التي تقتله على مهل؛ الإنسان، في اختصار، مجرّداً من كل ما يستخدمه درعاً لكي ينسى أنه إنسان. لماذا؟ لأن إنسانيته ترعبه. لأن إنسانيته تذكّره بأنه ليس إلهاً. يجهل، المسكين الإنسان، أن إنسانيته هي التي تجعله إلهاً، وأن كلما ارتقت هذه فيه، ارتقى هو إلى ألوهته المنشودة.

أبدأ من البدء: أحبّكَ، أحبّكِ. تعيسٌ هو اليوم الذي لا نلفظ فيه هذه الكلمة، وفقير، ومجوّف. يومٌ لا يستحق الذكرى بل لا يستحق العيش. أعجب ممّن يدعي أنها الكلمة الأصعب على وجه الأرض، فيما ينبغي لها أن تكون الأسهل والأسلس. لنقلها، هيا. لنقل أحبّكَ وأحبّكِ. ليس فقط لأولادنا وأهلنا وصديقاتنا والأصدقاء، بل لكل مَن لكل ما يضيء نوراً في قلوبنا ونهاراتنا. لنقلها، لم لا، للمجهول الذي توقف وغيّر دولاب سيارتنا على الأوتوستراد بينما السماء تمطر جنوناً. لنقلها للعامل الذي نظف الشوارع هذا الصباح من أوساخنا. لنقلها، مثلاً، للنادلة التي ابتسمت لنا رغم تعبها بينما تلبي طلباتنا. لنقلها للشجرة التي تنحني على فنجان قهوتنا كل صباح. أحبّكِ. أحبّكَ. هيا. لنقلها لكلّ من لكلّ ما يفجّر قنبلة فرح في رتابة أيامنا، ويزرع ابتسامة على وجوهنا أو في وعينا. لكلّ من لكلّ ما يجعلنا نصدّق أننا محظوظون لكوننا قيد الحياة رغم كل شيء. لنقلها أكثر لنقلها أعلى. لا تخافوا، لا تخفن، لن تنقص قيمتها، لن تصير مألوفة وباهتة، لن يخفت مفعولها مثلما قيل لنا. صدّقوني: كلما استخدمناها توهّجت أكثر، وتوهّجت أرواحنا فيها ومعها.

أجل. هناك كلماتٌ لا نقولها بما يكفي. وللحديث تتمة. 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

ابق على اطلاع دائم بالأخبار الدولية أينما كنت. حمل تطبيق مونت كارلو الدولية