جمانة حداد:" كلمات لا نقولها بما يكفي (2)"

سمعي 03:20
ㅤ
©

كنتُ تحدّثتُ في الأسبوع الماضي عن الكلمات التي تعرّينا فنخافها ولا نقولها بما يكفي. عن الكلمات التي، تحديداً لأنها تعرّينا، نحتاج الى قولها أكثر، وسماعها أكثر، لكي ننتصر بها على أقنعة هذه الحياة ونخفّف وطأتها علينا. وكنتُ قد بدأتُ بالكلمة الأهمّ في مقياسي، وهي أحبّكَ، أحبّكِ.

إعلان

اليوم، على مشارف عيد ميلادي الذي يحلّ بعد بضعة أيام، سأقرّ لكم ولكنّ بالكلمة الأكثر صعوبة في قاموسي، تلك التي أستثقل قولها وأحاول اجتنابها ما استطعت، ألا وهي: ساعدني. ساعديني.

فكّرتُ عميقاً هذا الصباح في الأسباب التي تلجمني عن قول هذه الكلمة: هل هو الغرور؟ هل هو حرص على قوتي الخارجية، الحقيقية منها والوهمية، التي أخبئ بها هشاشتي الداخلية وأحرسها وأحميها؟ هل هو شعوري بأنّي كافحتُ كثيراً وطويلاً ولا أريد أن أدين لأحد، حتى لو بيني وبيني، بلفتةٍ داعمة أو لحظة مؤازرة؟ أم ترى السبب قناعةٌ مترسخة فيّ بأن لا أحد منّا يستطيع مساعدة الآخر، وأننا وحيدون تماماً في هاويات هذا العالم، لا قدرة لأحد أن يسحبنا منها سوانا، أو سوى ما نسمّيه القدر؟ لعلّ ما يكمّمني هو هذه الدوافع كلها مجتمعة، وغيرُها مما لا أدركه بوعيي: لستُ أدري. جلّ ما أعرفه أن طلب النجدة شاق جداً بالنسبة إليّ، حتى في أحلك ظروفي وأشدّها إيلاماً.

اليوم، في مناسبة عيد ميلادي، أعترف: ليس صحيحاً أن الواحد منّا لا يستطيع مساعدة الثاني. كثرٌ أعانوني ودعموني في حياتي، بلا طلب منّي. ولعل هذه العبارة، أي "بلا طلب منّي"، هي نقطة ضعفي. إذ غالباً أتوقّع من الآخر أن يحزر، ويرى، ويستبق، ويفعل ما ينبغي فعله من دون أن أضطر الى قول شيء. لكنّ هذا ليس ممكناً دائماً، ولأجل ذلك علينا أن نتواضع ونتعلّم أن نلجأ ونطلب. بل إن المبادرة بالطلب هي في ذاتها نجاة. أن نمدّ يدنا لشخص ما ونقول "انتشلني"، له مفعولٌ يماثل الانتشال في ذاته. أن نصدّق أننا لسنا وحدنا، وأن هناك، دائماً، من لديه الرغبة في، والاستعداد لـِ، والقدرة على، الاستماع إلينا ومحاولة مساعدتنا.

اليوم، إذ أشارف الثانية والخمسين من العمر، أطلب منكم الآتي: ساعدوني أن أنسى أني أشارف الثانية والخمسين من العمر!

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

ابق على اطلاع دائم بالأخبار الدولية أينما كنت. حمل تطبيق مونت كارلو الدولية