جمانة حداد: " الوقت وقتان"

سمعي 03:19
ㅤ
©

الوقت الوقت الوقت. يا ما حكينا ونحكي عن الوقت الذي يمضي. عن الوقت الذي يطحن. عنه يُرهق ويخنق ويأسر ويستبد ويوتّر... 

إعلان

الوقت الوقت الوقت. يا ما شكونا ونشكو من كيف أنه يركض. من كيف اننا نلهث وراءه، هذا اللعين. نعدو ونجاهد ونثابر ونكاد، لكننا نعجز عن اللحاق به. من أنه لا يكفي، دائما لا يكفي. من انه ينتهي قبل ان ننتبه، ومن كيف اننا حتى لو انتبهنا، لا فائدة أصلاً، لأنه الأقوى ولا نستطيع شيئاً حياله.

يا ما تذمّرنا ونتذمّر منه، هذا الوقت الديكتاتور، ومن كيف أنه يغدرنا، أو يسبقنا، أو ينقصنا، أو يضحك علينا. نقول للأهل، نقول للأصدقاء، نقول للزملاء ولكل من يريد أن يسمع: لا وقت لننام يا جماعة! لا وقت لنأكل، لا وقت لنرى من نحبّ، لا وقت لننجز كل الواجبات المطلوبة منا، لا وقت لنقرأ، لا وقت لنضيّع الوقت، وهلم. إرهاب يكاد لا يتوقّف إلا ليتغذى من لحمنا وأعصابنا قبل أن يمعن في خياناته وطعناته من جديد.

ثم هنالك ذلك النوع "الثاني" من الوقت، الأنكى، الأصعب والأكثر إيلاماً. ذاك الذي لا يركض، بل على العكس، يربض. وقت بطيء كالوحل، ثقيل الهمّة، يجثم على الصدر كصخرة أزلية لا يزحزحها شيء. أعني وقت الحزن مثلاً، أو وقت الانتظار، أو وقت الوجع. هذا الوقت بالذات، أين ساقاه الرشيقتان حين نحتاجهما؟ أين سرعته في الجري حين نعوزها؟ لماذا لا يهبّ ويعدو ويمضي وينتهي، بل يتكاسل بدلاً من ذلك، ويتغندر، ويتفنّن في تعذيبنا؟ لماذا لا يتحرّك، وقت الوجع وقت الانتظار وقت الحزن اللا يُحتمل؟ كيف نجعله يصير ماضياً، الآن؟ أي ظلم هو هذا الذي يقضي بأن يكون إيقاع الأسى متمهّلاً، وإيقاع الفرح مهرولاً؟

الوقت وقتان، ولكن ليس أيٌ منهما رحوماً. 

الوقت وقتان، نعم. ونحن ضحاياهما في الحالين.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

ابق على اطلاع دائم بالأخبار الدولية أينما كنت. حمل تطبيق مونت كارلو الدولية