مراسي

"شعراء الجزيرة السود" ظلمتهم القبيلة فأنصفهم الشعر

سمعي 32:13
كزافييه لوفان أثناء محاضرته حول كتاب "الشعراء السود عند العرب"
كزافييه لوفان أثناء محاضرته حول كتاب "الشعراء السود عند العرب" © مونت كارلو الدولية

تستضيف ميشا خليل، في برنامج مراسي، الأكاديمي كزافييه لوفان للحديثِ عن الشعراء العرب السود الذين أفرد لهم دراسة خاصّة في كتاب حمل اسمهم.

إعلان

رحلة البحث عن المصادر

إنّ البحث في المدّونة العربيّة القديمة ليس عملاً سهلاً خاصّة وأنّ جلّ المأثور العربي الجاهلي كان منخرطاً في ثقافة المشافهة. والمادّة المتاحة في حدّ ذاتها تبقى دائما نسبيّة لأنّ المصادر متنوّعة حدّ التباين في بعض الأحيانِ. ولا يُستثنى من هذه القاعدة الشعر الذي لم يكتب إلاّ بعد قرون طويلة عن "قولهِ". من هنا، كانت مهمّة الأكاديمي كزافييه لوفان، في البحثِ عن هذه الوثائق، صعبة الجمع ثم صعبة المصادقةِ. وبعد رحلة تحديد المصادر، مثّل تذليل صعوبات بعض المعاجم المستعملة عملاً جمّاً أيضاً إذ أنّ بعض الكلمات صعبة الفهم ونادرة الاستعمال.

ضنك ترجمة المأثور الجاهلي:

لعلّ أصعب عمل على الترجمةِ كان الشعر وهو ما أخذ من لوفان جهداً ووقتاً طويلاً، ذلك أنّ ترجمة الشعر تستوجب إطّلاعاً واسعاً بالقوافي ومقومّات القصيدة النموذجيةِ من طلل ووصف للرحلةِ والراحلةِ فضلاً عن الغرض الشعري والبحر. هكذا كان ترجمة لوفان شخصيّة فاعتبر أنّه حاول "تقديم ما بدا له الأفضل" بيد أنّه اعتبر خياره خطيراً لأنّ بعض القرّاء سيتفقون مع ترجمته والبعض الآخر سيرى نواقص فيها. حاول الكاتب أن يعطي صورة "تعكس النصّ الأصلي في اللغةِ الفرنسيّةِ" على حدّ عبارتهِ.

حياة الشعراء الجاهليين في ذلك الوقتِ:

لا شكّ أن صورة عنترة بن شداد، الشاعر الجاهلي، تمثّل الصورة الأولى للشاعر الجاهلي الأسود. فضلاً عن شهرة سوادهِ لا ينفكّ يذكر في معلّقتهِ أنّه عربيّ من قبيلة عبس سليل "أمة" '(جارية). أوحى في آثارهِ عديد المرّاتِ بمعاناتهِ إذ يُعامل معاملة العبيدِ والحال أنّه لم يكن عبداً عندما نظم الشعر. من هنا لم يتوان عن إبراز تلك النظرة الدونية التي اعتاد أهل قبيلتهِ معاملته بها. يستخدم بن شداد كلمات واضحة للتعبير عمّا يصطلح عليه اليوم "عنصرية" كأنّ يجمع في بيت واحد كلمتي "أسود" و"عبد": أنا العبد وأنا الأسود.

لم يركّز صاحب الكتاب على القصائد التي تتناول فقط مفهوم العبوديةِ بل تخيّر أيضاً قصائد حبّ أو وصف (حبيبته عبلة/ الصحراء/ ميدان القتال) وهذه قواسم مشتركة بين عنترة بن شدّاد وشعراء آخرين.

من الشعراء الجاهليين الذين وردوا في هذه الدراسة أيضاً، امرؤ القيس الذي طالته إشاعات كثيرة عن الشاعر الذي أحبّ حبشية (سوداء) مما أثار حفيظة أصدقائه لأنّ هذا الأمر يحطّ من قيمتهِ. والحال أنّ الشاعر، وإنّ أوحى في شعرهِ بأصولِ ليلى الحبشيةِ، إلاّ أن ذلك لا يعني بالضرورة أنّها كذلك وأنّ لونها أسود. وينطبق على هذا الأمر ما قاله العرب قديماً "أعذب الشعر أكذبه".

إعتزاز ودونية

لا يخفى أنّ "العنصرية" على أساس اللون ضاربة منذ الجاهلية. لكن تجدر الإشارة هنا إلى أن شعراء في ذلك الوقت كانوا يفتخرون بسوادهم شأن اللهبي مثلاً. لقد أراد الكاتب من خلال بحثهِ هذا تسلّيط الضوء على مصادر العبوديةِ المتنوّعةِ منذ القديمِ وإظهار التناقض الذي كان موجوداً في ذلك العصر. فالشعراء السود كانوا يتأرجحون بين الاعتزاز بلون بشرتهم والشعور بشيء من الدونية نستشّفه وفق المزاج ووفق المرحلة في أشعارهم المختلفة.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم