تخطي إلى المحتوى الرئيسي

آيان هرسي علي: "أفكار اليسار الجديد أفسدت اللغة وأنتجت معجماً كاملاً ضد الحريات"

آيان هرسي علي تتحدث في محاضرة بمعهد آسبن الأمريكي
آيان هرسي علي تتحدث في محاضرة بمعهد آسبن الأمريكي © فليكر (The Aspen Institute)
نص : علاء خزام
14 دقائق

صنفتها مجلة "تايم" الأمريكية عام 2005 بين أكثر الشخصيات نفوذاً في العالم وحازت عام 2008 على جائزة سيمون دو بوفوار لحرية المرأة، تعود آيان هرسي علي، الصومالية المدافعة عن حرية المعتقد والناقدة الراديكالية للأصولية الإسلامية، في مقابلة جديدة مع "شارلي إيبدو" إلى دحض اتجاهات نسوية جديدة توصف بـ"الطغيانية" والتنديد بمقاربة اليسار الغربي لمشكلات الإسلام واندماج المسلمين وغيرها.

إعلان

ذكّرت "شارلي إيبدو" بالوصف الذي أطلقه سلمان رشدي على هرسي علي حين قال إنها "من أكثر المدافعين عن حرية التعبير والضمير جدارة وذكاء ورحمة على قيد الحياة اليوم، ولهذا فهي مكروهة في المجتمعات الإسلامية في جميع أنحاء العالم". مفكرة وسياسية ومناضلة نسوية هولندية أمريكية من أصل صومالي تحظى بإعجاب العلمانيين والملحدين لانتقادها الكبير للتطرف الإسلامي ولنسويات وتقدميات غربيات يعتبرن نقد الإسلام "إساءة".

تعرضت هرسي علي، عندما كانت طفلة، إلى تشويه لأعضائها التناسلية وأجبرت على زواج من لا تحب. انتقلت إلى هولندا حيث أصبحت عضواً في البرلمان وقادت حملة نشطة لتحرر المرأة المسلمة وانتقاد القيود المفروضة عليها بواسطة النصوص الدينية وتأويلاتها. غير أن الحدث الأبرز الذي تسبب في "شهرة" أيان هرسي علي كان عام 2004 حين شاركت في كتابة فيلم قصير بعنوان "خضوع" للمخرج الهولندي ثيو فان غوخ ندد بـ"خضوع المرأة للدين" في الإسلام. بعد عرض الفيلم، اغتيل فان غوخ في أحد شوارع أمستردام بإطلاق النار عليه وقطع رقبته على يد إسلامي هولندي مغربي. وثبت الإرهابي رسالة بسكين طعن بها فان غوخ تتضمن تهديداً بقتل آيان هرسي علي.

المخرج الهولندي ثيو فان غوخ الذي اغتاله إرهابي عام 2004
المخرج الهولندي ثيو فان غوخ الذي اغتاله إرهابي عام 2004 © ويكيبيديا

لكن اللقاء لا يتعلق فقط بالدين الإسلامي وأوضاع المسلمين في الغرب، بل كذلك بأحوال الأحزاب اليسارية الغربية المتهمة بمحاباة الإسلام السياسي بحجج وذرائع متنوعة تفصّلها هرسي علي، خصوصاً وأنها عملت طويلاً في صفوف حزب العمال الهولندي. فكيف تصف حال حرية التعبير في الدول التي تدافع أكثر من غيرها عن هذه القيمة؟ ولماذا فشل اليسار البريطاني انتخابياً بصورة "مذهلة" ولماذا، برأيها، سيفشل الديمقراطيون الأمريكيون في مواجهة ترامب؟ ما رأيها بحركة Black Lives Matter وكيف تتقاطع من جهة نظرها مطالبات محقة بالعدالة والمساواة مع نزعات متعصبة وعنصرية وقمعيّة تهدد بتفتيت المجتمعات ونزع الصفة الكونيّة عن حقوق الإنسان؟ ما قصة النسبوية الثقافية، وكيف تقع النساء المسلمات، في اعتقادها، ضحية تجاهل الحركات النسوية الغربية؟

أجرى هذا الحوار بالإنكليزية لصالح "شارلي إيبدو" الناشطة النسوية إينا شيفتشينكو، زعيمة حركة "فيمن" الدولية، وترجمته إلى الفرنسية مريم أندرسون.


كيف تصفين الوضع الحالي لحرية التعبير؟

يبدو لي أن الكلمة المناسبة هي "الانحدار". وهي تتعلق بكل الدول الغربية. في السنوات الأخيرة، تغلغلت الأفكار المعادية للتقدم في الثقافة الجامعية، وهي اليوم تغزو النقاش العام. لهذه الأفكار من الآن فصاعداً العديد من الأسماء المختلفة، مثل "سياسة الهوية" أو "إلغاء الثقافة" Cancel Culture أو "الصحوة" Woke. القاسم المشترك بينها ليس فقط رفض حرية التعبير، بل رفض الحرية بشكل عام. وفق هذه الأفكار المنتشرة الآن، ينقسم مجتمعنا إلى مجموعات، ولم يعد الفرد مهماً في النقاش العام. لم يعد هناك سوى هويات لمجموعات. والعلاقة بين هذه المجموعات يمكن أن تُبنى فقط من منظور السلطة/القوة Power. باتباع هذا المنطق، لا يمكن، على سبيل المثال، أن تكون لي علاقة معك إلا باعتبارك شخصاً يمتلك سلطة/قوة وامتيازاً عليّ، لأنك بيضاء وأنا سوداء. وفي مواجهة رجل أبيض، مثلاً، لا يمكنك إلا أن تكون في وضع المضطهَد. وهكذا دواليك. لقد أفسدت هذه الأفكار لغتنا، وأنتجت معجماً جديداً بالكامل ضد الحريات والأفراد والمعرفة والعلم. إنه لأمر محبط.

يتم الترويج للمصطلحات التي ذكرتها بواسطة اليسار. هل تعتبرين أن انتماء عملاء الرقابة الجديدة لليسار أمر مفاجئ؟

كنت ربما سأفاجئ بهذا الاتجاه في عام 2001 أو 2002، لكن ليس بعد الآن. بدأت عملي السياسي في هولندا مع حزب العمال، من يسار الوسط. وبالفعل في ذلك الوقت، كان هناك هذا التركيز على المجموعات بدلاً من الأفراد. على سبيل المثال، في كثير من الأحيان وحين تعلق الأمر بالدفاع عن حقوق النساء المسلمات، كنا نرى محاولة لعدم اعتبار مجموعة ثقافية ما إلا من خلال المنظور الاستعماري. كانت هذه النزعة النسبوية موجودة بالفعل. لكن ما يفاجئني الآن هو مدى سرعة انتشار طريقة التفكير هذه. بقدر ما يتم تقديم هذه الأفكار على أنها يسارية، فإنها غالباً ما تكون مصحوبة بعبارات مثل "العدالة الاجتماعية"، "المساواة"، "الإنصاف". على الرغم من أن التعبير عنها يتم دائماً وفق أحسن النوايا، إلا أنها تخفي في الواقع طغيان الطوائف والتجمعات.

هل ينطبق الأمر نفسه على مكافحة العنصرية؟ هزت حركة Black Lives Matter الولايات المتحدة والعالم بعد مقتل جورج فلويد على يد عناصر من الشرطة...

لدى الجمهور الواسع، عندما يرى الناس لافتة Black Lives Matter، فإنهم يعتقدون أن الأمر يتعلق بإدانة وحشية الشرطة والعنف الذي يستهدف الرجال السود على وجه التحديد. يعلم الناس أن هناك مشكلة وأننا بحاجة إلى إصلاحات. لسوء الحظ، يمكننا أن نرى أن الحركة التي تحمل اسم Black Lives Matter في الولايات المتحدة تحمل أيضاً رسائل أخرى. مطلبهم الرسمي ليس إصلاح الشرطة، فهم يدعون إلى "قطع تمويل الشرطة"، إلى "إلغاء الشرطة". إنهم يطالبون بإلغاء دولة القانون. الشرطة، السجون، كل ذلك ليس بعد الآن سوى قمع وعنصرية بالنسبة لحركة Black Lives Matter. من وجهة نظرهم، فإن الطريقة الوحيدة لتحقيق العدالة للسود هي إسقاط النظام بأكمله. هذه الأهداف مقلقة.

آيان هرسي علي في مدينة ميرلاند الأمريكية
آيان هرسي علي في مدينة ميرلاند الأمريكية © فليكر (Gage Skidmore)
في مثل هذا السياق السياسي المعقد، ما هي النتائج التي تتوقعينها للانتخابات الرئاسية [الأمريكية] في تشرين الثاني المقبل؟

بصراحة، أخشى مما يحدث حالياً داخل الحزب الديمقراطي. لقد سمحوا للأفكار الرجعية التي كنت أتحدث عنها، أو ما يسمى Wokeness في الولايات المتحدة، بأن تسيطر. عندما أستمع لخطابات جو بايدن وكمالا هاريس، اللذان يفترض بأنهما يمثلان اليسار المعتدل، أسمع هذه الأفكار الرجعية في كلماتهما. ولا يسعني أن أمنع نفسي عن التفكير في الفشل الذي تعرض له حزب العمال في المملكة المتحدة. إذا كنتي تتذكرين، فإن هزيمة الحزب في الانتخابات الأخيرة كانت مذهلة، وحدثت لأن حركة أيديولوجية مماثلة تسمى Momentum كانت قد غزته. كان المشروع المقترح مقلقاً للغاية، مبني على أساس مفردات معادية للسامية وطائفية ومعادية لبريطانيا. إذا استمر الحزب الديمقراطي الأمريكي في الترويج لمثل هذه الأفكار الرجعية، فسيحاصر نفسه ويخسر هذه الانتخابات أمام دونالد ترامب. هذا ما يقلقني.

ومع ذلك، فقد غادرتي أوروبا للاستقرار في الولايات المتحدة، ليس فقط لأن حياتك كانت مهددة هناك، ولكن أيضاً لأنه، كما قلت، "من المستحيل التحدث بحرية عن الإسلام في القارة الأوروبية ". لماذا الإسلام موضوع محرّم هنا؟

تستند حجة الأوروبيين إلى ثلاث نقاط. أولاً، بما أن العديد من المسلمين يأتون من مستعمرات سابقة، فإن الأوروبيين يحاولون تسوية ماضيهم الاستعماري بالامتناع عن التدخل في الطوائف. النقطة الثانية، وهذا شيء لا يُقال عادةً بصراحة، هو الخوف من العنف. "شارلي إيبدو" في وضع ممتاز لمعرفة ذلك. إنه الموقف الذي يتعلق بعدم الاستفزاز، بعدم الانتقاد، بعدم رسم النبي، لتجنب ردود الفعل العنيفة المحتملة. والنقطة الثالثة هي النزعة النسبوية الثقافية، فكرة أنه لا يمكنك انتقاد الثقافات الأخرى، وأن جميع الثقافات متساوية تماماً، وأنه لا ينبغي الحكم على أي ثقافة وفقاً لمعايير ثقافة أخرى.

المسلمون أقلية في أوروبا، وغالباً ما يميّز ضدهم اليمين السياسي المتطرف، وهذا أحد الأسباب التي تجعل البعض يفرضون رقابة تلقائية على أنفسهم عندما يتعلق الأمر بانتقاد الإسلام...

من المشروع دائماً محاربة اليمين المتطرف. لكن الادعاء بأن الجهود المبذولة من أجل إدماج المسلمين يمكن مقارنتها بالوصم والتمييز فهو مجرد ذريعة سياسية. ذريعة لعدم فعل شيء. عندما دخلت ميدان السياسة في هولندا، جادلت بأنه يجب أن ننظر إلى النساء المسلمات كأفراد، وليس كمجموعة متجانسة. يجب أن نسمح لهن بالحصول على أفضل تعليم، والحصول على مهنة، والحفاظ على الأجور التي تكسبها لأنفسهن. واسمحي لي أن أكون واضحة، إن صمتنا وإحجامنا عن معالجة هذه القضايا وجهاً لوجه هو ما يمهّد الطريق لليمين المتطرف. حتى نتمكن من إعطاء النساء المسلمات قيمتهن، على سبيل المثال، نحتاج إلى فهم القيود التي تفرضها عليهن الأسر والطوائف. وبما أن هذه القيود غالباً ما تستند إلى معتقدات دينية ومبررة بكلام الله أو النبي، فلا يمكننا الهروب من أن نتحاور حول الدين. كامرأة سياسية، ناشدت الأوروبيين أن يروا المرأة المسلمة باعتبارها كياناً حراً ومستقلاً. لا أرى كيف لهذا أن يكون تنازلاً لليمين المتطرف. غالباً ما يصر اليمين المتطرف على أن المهاجرين هم طبقة دنيا تدمر النظام الاجتماعي الأوروبي وتعتمد على المساعدات المالية من الحكومات. دمج الناس في التعليم والعمل سيحرم اليمين المتطرف من هذه الحجة!

في الصحافة الهولندية: "العزيزة آيان هرسي علي"
في الصحافة الهولندية: "العزيزة آيان هرسي علي" © فليكر (Carl Guderian)
في كتابك "مُهرطقة" (غير منشور بالفرنسية)، تؤكدين أن العديد من المسلمين مستعدون لإصلاح دينهم وتقدمين رؤيتك لهذا الإصلاح. ما الذي دفعك إلى مثل هذا التوكيد؟

أعتقد أن الموضوع الأقل تغطية في عصرنا هو العدد الهائل من المسلمين الذين يتركون الإسلام اليوم. وهذا يحدث في كل مكان، في الشرق الأوسط وآسيا وأوروبا. أعتقد أنه حدثت استفاقة بين المسلمين في السنوات الأخيرة. لقد فهم الكثير منا أننا إذا اتبعنا منطق الإسلام، وإذا طبقنا الدين تماماً وفقاً للقرآن وكلام محمد، فسينتهي بنا الأمر إلى جنباً إلى جنب مع تنظيم "الدولة الإسلامية". وهي فكرة ترعب الكثير من المسلمين. لقد غير بعضهم ممارساته الدينية أو أصبحوا علمانيين بالكامل. هناك أمل. هذه الديناميكية موجودة، لكن القليل من الصحفيين يتحدثون عنها.

هناك نساء مسلمات يحاولن الحصول على السلطة داخل المؤسسات الدينية. أصبحن أئمة وافتتحن مساجد ليبرالية. ما رأيك في هذا؟

أجد ذلك رائعاً وأنا أؤيد هذه المبادرات. زرت المسجد الذي افتتحته سيران أطيش في برلين. رأيت أن هذا المكان مفتوح للجميع: رجال ونساء يجلسون بجانب بعضهم البعض، كما أنهم يستضيفون مراسم زواج المثليين. إنه مكان فيه الناس أحرار. لكن لدخول هذا المسجد، عليك عبور حاجز من عناصر الشرطة والأمن لأن هذه الإمام ومسجدها الليبرالي يتعرضان لتهديد المتطرفين. وهذا يدل بشكل جيد على مدى فعاليته. إنها طريقة رائعة لصد المتعصبين. لذلك بالطبع أنا أدعم هؤلاء النسوة. أريد أن يستطعن فتح مساجد ليبرالية وإمامة الصلاة، وآمل أن يتمكنّ من إلقاء خطب دينية من أجل السلام والتسامح والحرية. لا يجب أن يكون إصلاح الإسلام أحادي اللون. كلما كنا أكثر إبداعاً، كلما كان ذلك أفضل.

تتناقض محاولات تلك المصلحات الدينيات، اللواتي يواجهن علانية الجوانب الإشكالية في الدين، مع موقف العديد من النسويات الغربيات تجاه الإسلام. ليس هذا هو الموضوع الوحيد المحرّم، لكننا نرى أيضاً كيف يتخذ بعضهن الزي الديني باعتباره رمزاً لحرية المرأة وقوتها...

بدأنا نقاشنا هنا بالحديث عن أزمة الأفكار اليسارية. نحن التقدميون مهتمون بالحريات الفردية ونعتبر أن الحرية كونيّة. هذا هو أساس النسوية: التوكيد على أن النساء والرجال أفراد متساوون ولهم جميعاً الحق في الحريات الأساسية والفرص نفسها. ليس هذا ما تدعو إليه بعض الحركات النسوية الحديثة. تبنت كثيرات بينها فلسفة النسبوية. وبالإضافة إلى ذلك، يستغل الإسلاميون في الغرب، مثل الإخوان المسلمين، حجج هؤلاء النسويات لأغراضهم الخاصة. قال أحدهم إن هذا النضال سيتم عن طريق الدوس على أجساد النساء. هذا ما نراه في الدول الواقعة على جانبي الأطلسي. في الجانب الغربي، يتمحور حول موضوع الإجهاض، أما في الجانب الشرقي فحول الحجاب والبرقع. الفكرة من وراء الملبس هي أنه ليس على الرجال أن يغيروا موقفهم من جسد المرأة، بل على النساء أن يتحكمن في أجسادهن ويقمن بإخفائها عن أنظار الرجال. حان الوقت للنساء للوقوف والقول بوضوح أن الكفاح من أجل النسوية ليس كذلك. اليوم يجب أن نناضل من أجل الحرية الكونيّة، من أجل حقوق الإنسان الكونيّة ولمقاومة خرافة أن هذه المفاهيم قادمة من الاستعمار الغربي الجديد. أعتقد أن هذا هو تحدي القرن الحادي والعشرين. في البداية اعتقدت أن التحدي الرئيسي قد يكون الإسلام الراديكالي، لكن يا إلهي، هذه المشكلة هي "إنتاج محلي" في الغرب وهذا خطير!

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.