900 ألف بودكاست بـ100 لغة عام 2020: كيف تجاوزت هذه الظاهرة جائحة كورونا؟

الاستماع إلى بودكاست على تلفون "آبل"
الاستماع إلى بودكاست على تلفون "آبل" © أ ف ب

البودكاست، ذلك المحتوى الصوتي الذي أُنتج خصيصاً ليُبث عبر الإنترنيت ويتم تحميله والاستماع اليه وقت الطلب، لم يكن منتشراً قبل عام 2020 كما هو عليه اليوم.  فخلال العام الماضي تم تسجيل 900000 بودكاست في العالم بأكثر من مئة لغة مختلفة، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف ما كان عليه عام 2019. ونشهد اليوم كل دقيقة واحدة إطلاق ملفيّ بودكاست جديدين حول العالم، كما ارتفعت عائدات الإعلانات بنسبة 15٪.

إعلان

ساهم في هذا النمو الحجر الصحي الذي فرضه فيروس كورونا، حيث أصبح للمتابعين على الانترنيت الوقت الكافي للاستماع الى هذا النوع الإذاعي الجديد المتوفر تحت الطلب، في الوقت الذي تضاءلت فيه مساحة فرص اللقاءات الاجتماعية. يُضاف الى ذلك هجرة متابعي منصات التواصل الاجتماعي التقليدية الى محتوى يناسب اهتماماتهم وذوقهم، كما أن تطور الهواتف الذكية والأجهزة النقالة والتطبيقات الصوتية فيها قد سهّلت من عملية توزيع وبث المحتوى الصوتي تقنياً.

وحسب موقع شارتبل، لم يقتصر هذا النمو على استهلاك الصوت على الانترنيت فقد شهدت الكتب المسموعة أيضاً نموًا في العام الماضي مع زيادة بنسبة 21٪ مقارنة بعام 2019. كما نمت عائدات بث الموسيقى بنسبة 12٪ في النصف الأول من عام 2020. ومع تزايد عدد الأشخاص المحجورين داخل منازلهم وبحثًا عن طرق جديدة في مجال الترفيه، ارتفعت الاشتراكات المدفوعة (مثل سبوتيفاي وآبل ميوزك وغيرها) بنسبة 24٪."

الولايات المتحدة الامريكية رائدة وسبّاقة

تأتي كلمة "بودكاست" من الولايات المتحدة الأمريكية في مطلع العقد الأول من القرن الحادي والعشرين وهي تقليص لمصطلحين هما "آيبود" أي مُشغّل الموسيقى الرقمي الذي أطلقته شركة آبل عام 2001 و"برودكاست" أي البث. وكان رئيس شركة آبل التجارية ستيف جوبز قد أطلق تبويب "بودكاست" في منصة "آي تيونز" الخاصة به، كما أكّد عام 2005 أن البودكاست سيكون المستقبل الجديد للراديو.

ستيف جوبز مؤسس شركة أبل
ستيف جوبز مؤسس شركة أبل © أ ف ب

منذ ذلك الوقت أخذت الإذاعات الأمريكية العامة تهتم بهذا المحتوى والشكل المبتَكر الذي يصل الى مستمعين جدد. ففي أكتوبر 2006 أطلقت محطة إذاعية في منطقة شيكاغو نسخة بودكاست من برنامجها الرائد "هذه الحياة الأمريكية" وهو نفس البرنامج الذي أَطلَق فيما بعد عام 2014 بودكاست سيرْيِل الذي شهد نجاحاً فورياٌ منقطع النظير حتى اليوم وتم تحميل موسمه الأول أكثر من 175 مليون مرّة في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وتمت ترجمته الى لغات أخرى في العالم، وهو تحقيق صحفي استقصائي من اثنتي عشرة حلقة حول خبر متفرق يعود لعام 1999.

تدريجيًا اتبعت الصحافة المكتوبة الامريكية هذه الوسيلة الجديدة. وفي عام 2017 أصدرت مجلة نيويورك تايمز الحلقة الأولى من البودكاست اليومي الديلي الذي يسجله بصوتهم صحفيو المجلة الذين يغطون الموضوعات الساخنة. وبسرعة تصدر هذا البودكاست الاستماع في الولايات المتحدة بالغاً المليون مستمع في اليوم الواحد، في الوقت الذي يصدر من الصحيفة المطبوعة 540 ألف نسخة "فقط" في اليوم الواحد.

برنامج "هذه الحياة الأمريكية"
برنامج "هذه الحياة الأمريكية" © This American Life

أصبح البودكاست في الولايات المتحدة الامريكية صناعة حقيقية وبعض ملفاته يدرّ أرباحاً مالية من عائدات الإعلانات أفضل مما تفعله المحطات الإذاعية مما يجذب كبار المستثمرين. وهكذا فقد استحوذت الشركة السويدية "سبوتيفاي" على أهم شركات البودكاست الأمريكية الكبرى واستثمرت في هذا المجال أكثر من 800 مليون دولار.

لماذا تصدرت انكلترا مشهد البودكاست الأوروبي؟

يترسخ انتشار سوق البودكاست بشكل متزايد في أوروبا سواء كان هذا على شكل برامج تقليدية يُعاد عرضها ويتم الاستماع اليها بشكل مستقل عن البث الإذاعي المباشر، أو ملفات بودكاست محلّية يتم إنشاؤها فقط للنشر على الإنترنت دون الإذاعة، فهذا النجاح مُعولم ومتعدد اللغات.

لكن لا يمكن مقارنة صناعة البودكاست في أوروبا بالصناعة الحقيقية الأمريكية، غير أن عام 2020 كان غزير الإنتاج بشكل خاص من حيث المحتوى. ويقول فيليب تشابوت، مؤسس مجلة "لوبود" المتخصصة بالبودكاست "لقد سرَّع الوباء إنشاء البودكاست وزاد أيضًا من عدد الجمهور فالناس لديهم المزيد من الوقت للاستماع اليه".

يعود السبب الأول في تصدر إنكلترا المشهد الأوروبي إلى اللغة الانكليزية بحد ذاتها القادرة على الانتشار بسرعة، ومن جهة أخرى بسبب قيام البي بي سي بإطلاق منصة بي بي سي ساوند عام 2018 وهي توفر، بالإضافة إلى الاستماع للراديو التقليدي على ال إف إم، مختارات من البودكاست والموسيقى والبرامج وقد تم جمع كل هذا معًا على نفس النظام الأساسي. وبعد عامين من إنشائها سجلت ""بي بي سي ساوند" أكثر من مليار مسرحية وموسيقى وبودكاست مجتمعة.

تأتي ألمانيا في المرتبة الثانية في أوروبا بعد انكلترا ثم فرنسا في المرتبة الثالثة، إذ ينطبق على البودكاست ما ينطبق على مجال التقنيات الجديدة أو الصناعة بشكل عام. ويُقارن هذا الازدهار في فرنسا أحيانًا بظاهرة انتشار الاذاعات الحرة في فرنسا في السبعينيات، أو ظاهرة المدونين لاحقاً.

ويشهد قطاع البودكاست الذي انطلق قبل 15 سنة في فرنسا ازدهارًا منذ بداية عام 2020، مع تزايد عدد المستمعين الذين هم ليسوا فقط في الثلاثينيات من العمر ويعيشون في المدن الكبرى. فتلبيةً للطلب، تحسّن العرض وتوسّع أكثر مع دخول الصحف اليومية الفرنسية الكبرى المجال وكذلك بعض الإذاعات الرسمية الكبرى. وأصبح البودكاست أداة إعلامية قائمة بذاتها لديها رموزها الخاصة في الكتابة وجمهورها وربما لاحقاً نموذجها الاقتصادي الخاص.

البودكاست متوفر بأكثر من 100 لغة مختلفة في العالم

حسب نشرة "بودنيوز" اليومية الاخبارية المتعلقة بأخبار البودكاست، هناك أكثر من 100 لغة متوفرة في 40 مليون حلقة موجودة حاليًا على الإنترنت في جميع أنحاء العالم. وعلى سبيل المثال، فقد زاد عدد ملفات البودكاست باللغة الهندية 14.1 مرة في عام 2020، وهي أكبر زيادة خلال عام واحد. ويعود سبب هذا الازدهار في الهند إلى سهولة الوصول إلى حُزم الإنترنت للهواتف المحمولة والتي أصبحت أرخص بسبب المنافسة، وبالتالي أصبح الاستماع الى البودكاست أرخص.

كما ارتفع انتاج الصين والهند والبرتغال واندونيسيا بسرعة خلال العام الماضي وكذلك البرازيل وبشكل عام أمريكا اللاتينية، وتستثمر وسائل الإعلام أكثر فأكثر في البث الصوتي، خاصة الإذاعة ووسائل الإعلام المطبوعة. هذا هو الحال أيضًا في بلدان جنوب شرق آسيا حيث تقوم المحطات الإذاعية بإتاحة الاستماع الى البودكاست.

مواضيع غير موجودة بالضرورة في برامج الاذاعة التقليدية

بشكل عام كلما انتشر انتاج البودكاست في بلد ما، كلما زاد فيها ظهور منتجين مستقلين، كما يلاحظ أيضًا التطور في محتوى وشكل المدونة الصوتية. فقبل حوالي خمس سنوات، كان المحتوى في الغالب نقاشاً بين شخصين أو مقابلة، بينما نجد اليوم الكثير من القصص الروائية والابداعية المُنتَجة والمكتوبة بشكل جيد والتي تظهر في بلدان مثل كندا أو الولايات المتحدة الأمريكية أو فرنسا، وهو محتوى يختلف عن البرامج الإذاعية المسجلة التي تُبث تقليدياً على الهواء والمتاحة بطريقة البودكاست.

منصتا سبوتيفاي وديزر
منصتا سبوتيفاي وديزر © ويكيبيديا

في كثير من الأحيان يكون البودكاست حول مواضيع لا تكون موجودة في الراديو، كما أن الأمر مفتوح أمام أستوديوهات انتاج مستقلة وكذلك أفراد يشجعهم تسجيل محتوى صوتي من دون وجود رقيب أو مدير برنامج يقرر ما سيقولونه ويوجه كيفية تعاملهم مع موضوع ما. ويتجه منتجو البودكاست الى التحدث عن الأشياء التي يعتبرونها مثيرة للاهتمام لجمهورهم، وهذا ما يفسر هذا الازدهار العالمي في هذا القطاع.

وبالطبع يتطلب انتاج البودكاست الوقت إذا كان الهدف جودة عالية للمحتوى والشكل، مع العلم أن وضع البودكاست على منصة واستضافته على الانترنت يسمح بالرجوع إليه بسهولة وبساطة عن طريق "آبل بودكاست" أو "جوجل بودكاست أو "سبوتيفاي" أو "ديزر" وهذا ما يلعب دوراً كبيراً في نجاح هذه الابتكارات الصوتية ويَعِد بمستقبل زاهر.

في العالم العربي بدايات واعدة ومحتوى محدود

شهد قطاع البودكاست في العالم العربي ازدهاراً منذ أواخر 2016، لكن لم تكن الإذاعات العربية وراء نمو هذا المحتوى الصوتي بل مستقلون هواة أرادوا تقديم محتوى جديد يُعبّر عن الأجيال الشابة بعيداً عن الجانب التقليدي أو الرسمي للإذاعات. وهم في الأغلب لا يحققون أي مردود مادي من وراء هذا الانتاج، فالإعلانات لا تحقق الربح، ولا مجال للمقارنة مع البودكاست الأمريكي أو الأوروبي.

وإذا ما بحثنا في العالم العربي عن برامج البودكاست التي تحقق أرقاماً قياسية للمتابعين وتلاقي رواجاً كبيرًا، نلاحظ أنها باللغة الانكليزية مثل بودكاست "عندما تفوز النساء" من انتاج "رنا نواس" الخاص، وهي بريطانية لبنانية وفلسطينية الاصل. يركز برنامجها على تمكين المرأة ويسرد نجاحهن، وهو يعتبر الأكثر استماعاً وتحميلاً في الشرق الاوسط ولا سيما في المملكة العربية السعودية، وتُبث حلقاته في 181 بلداً وعلى جميع رحلات طيران الإمارات. وهي وتأمل في جذب المستثمرين أو المعلنين أو الرعاة بسرعة لأن البودكاست الأصلي هذا - غير المرتبط بالراديو - غير مجد اقتصاديًا كما تحدثت لمجلة "فوغ".

بودكاست "دكان شو"
بودكاست "دكان شو" © Dukkan show

النجم الآخر في المنطقة هو السوداني "عمر توم" الذي نشأ في الإمارات العربية المتحدة وهو يقدم مع اثنين من أصدقائه بودكاست "دكان شو" الذي يُنتج أيضًا باللغة الإنجليزية في دبي منذ عام 2016. المبدأ بسيط: ثلاثة أصدقاء يدردشون مع ضيف كما لو أنهم يلتقون في "دكان". ويستهدف هذا البودكاست جمهور أبناء المغتربين الذين نشأوا في ثقافة مختلفة عن ثقافة آبائهم، بهدف كسر الصورة النمطية عنهم.

كما تقوم بعض الشبكات العربية لإنتاج البودكاست باللغة العربية كشبكة "صوت" بإنتاج برامج لمؤسسات وقد حصلت على دعم من مبادرة "جوجل للأخبار" لتمويل شبكة "زمكان" التي ستضم برامج برودكاست عربية مستقلة بهدف تحقيق عوائد للمنتجين. وشبكة "صوت" انطلقت من عمّان في الأردن عام 2016 وهي منصة تناقش مواضيع مهمة، وتعمل على خلق بيئة حوار مبنية على مبادئ العدالة والتعددية وحقوق الانسان عبر الانتاج الصوتي.

من المتوقع ازدهار البودكاست في البلدان العربية مع ظهور منصات في المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان والكويت والأردن ولبنان، خاصة أن تكلفة انتاج البودكاست أوفر من تكلفة الفيديو وأن الهاتف الذكي بمتناول الجميع اليوم، مع الأخذ بعين الاعتبار استخدام أدوات رقمية لا تحجبها الرقابة بسهولة وتطوير استراتيجيات محتوى صوتي جديدة كمّاً ونوعاً لمستخدمين يبحثون عن استماع مختلف عمّا يقدمه الراديو أو التلفزيون.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم