جموح وغرابة أطوار جاك دورسي مؤسس تويتر

مداخلة جاك دورسي على منصة "تيد" عام 2019
مداخلة جاك دورسي على منصة "تيد" عام 2019 © Ryan Lash / TED - Ryan Lash/Flickr

"الحالم اللامع، الانطوائي السابق، الذي تحول إلى ملياردير زاهد يجلس على الهامش بين أسياد وادي السيليكون، ومعتقداته العميقة لا تزال غير مكتشفة."بهذه الكلمات اختصر تحقيق صحيفة لوموند الاستقصائي، مؤسس شبكة تويتر "جاك دورسي"، الذي باع تغريدته الأولى في مارس 2021 ب2.9 ملايين دولار. 

إعلان

يعشق جاك دورسي، 44 عاماً، إجراء "تجارب جامحة" على نفسه. أتى هذا الاعتراف عام 2019 أمام مجموعة من رجال الأعمال الإثيوبيين في أديس أبابا أثناء جولة نقلته إلى نيجيريا وغانا وجنوب إفريقيا من أجل علاج Vipassana، وهو شكل متطرف من التأمل: "إنه أصعب شيء فعلته هذا العام، وربما الأفضل."

تحدث دورسي عن إعجابه بـ "زوبعة النشاط" التي تمتاز بها القارة الأفريقية. وهو قد ذهب إلى أفريقيا للاستكشاف، كجزء من هوسه بالتكنولوجيا المالية، ولاضطراب التكنولوجيا في القطاع المالي.

صاحب رؤية في تصميم المنتج

عندما قرر جاك دورسي الاستقرار في القارة الأفريقية لمدة ستة أشهر ذُهل جمهوره، وكان قد كتب على تويتر من المطار: "إفريقيا ستحدد المستقبل، وعلى وجه الخصوص عملة البيتكوين."

في الجانب الآخر من العالم، اعتُبر مشروعه هذا تخلٍ، والمساهمون الذين كانوا يحاولون منذ سنوات الإطاحة بمن يسمونه "الرئيس التنفيذي بدوام جزئي"، صبّوا نار انتقاداتهم:

"في الوقت الذي كانت شبكات التواصل الاجتماعي تتعرض لانتقادات شتى، ودونالد ترامب يلعب دور المشاغب على تويتر، قال جاك دورسي إنه ذاهب لإتقان التأمل على بعد تسع ساعات زمنية من سان فرانسيسكو؟" ولكن بدلاً من الاستقرار في لاغوس، عاد ليبقى في فيّلته الفخمة التي يتباهى بها أمام موظفيه الجدد في سان فرانسيسكو.

مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، استدعاه الكونغرس مرتين، فمثُل أمامه بلحيته الكثة وهناك طُلب منه أن يتخذ موقفاً للتحكيم في النزاع، بين المؤيد لترامب والمعارض له.

المؤيدون اتهموه بفرض رقابة عليهم على المنصة، والمعارضون اعتبروا أنه "يسمح للنازيين بالتكاثر".

كما أقرانه، دعم جاك دورسي منذ فترة طويلة الدفاع عن حرية التعبير. ففي أبريل 2019، خلال مؤتمر Ted Talks في فانكوفر (كندا)، أمام جيف بيزوس وإيلون ماسك والحضور في الصف الأمامي، تعرّض جاك دورسي لانتقادات من قبل مقدم الحفل كريس أندرسون بسبب "هدوئه غير العادي في الوقت الذي كانت فيه الديمقراطية الأمريكية على وشك الانهيار."

لم يتنازل المدعى عليه عن هدوئه ولا عن قبعته الصوفية ووعد بأن تستمر المنصة في إعطاء الأولوية "للمحادثات الصحية. دومينيك بيوتيه، المراقب منذ فترة طويلة لوادي السيليكون قال إن” الجو كان عدائياً. كان لدى الناس انطباع بأنه غير مقتنع بنفسه وبالكاد صفق له الحضور. "

في مواجهة تجاوزات المرشح للرئاسة، دونالد ترامب، كان دورسي ملزمًا بالانحياز إلى أحد الجانبين. في نوفمبر2020، كانت شبكة تويتر هي أول من فرض رقابة على رئيس الولايات المتحدة (بسبب معلومات مضللة حول نتيجة الانتخابات).

 في 6 يناير، بعد أحداث الكابيتول هيل، عُلّق حسابه، وفي 8 يناير تم حظر ترامب بشكل دائم بسبب التحريض على العنف.

احتج الموظفون رغم تردد رئيسهم. كان دورسي آنذاك يتأرجح على كف عفريت المساهمين - في جزيرة مرجانية في بولينيزيا الفرنسية -  حيث غرد قائلا إنه يحب FIP ، "واحدة من أفضل محطات الراديو في العالم".

عند عودته، أظهر جاك دورسي حالته المزاجية وقال إن قرار حظر ترامب "ضروري" من منظور السلامة العامة، لكنه بذلك يخاطر "بتدمير" "المثل الأعلى" للإنترنت الحر والمفتوح.

الأحد 21 آذار2021 احتفل Jack بالذكرى الخامسة عشرة لتغريدته الأولى: ("just setup my twttr") التي نُشرت في 21 مارس 2006. وبالنسبة إلى تويتر هي حلقة تُقفل على وقت مضطرب.

في غضون خمسة عشر عامًا، تحولت المنصة من أداة تسلية إلى تلك التي "صنعت" "الربيع العربي"، كما تحوّلت إلى أداة اتصال حكومي ونظام إنذار بالكوارث وأداة للترويج الذاتي، وهي تستضيف حسابات 125 رئيس دولة ونحو 30 كاردينال والبابا ...

"دورسي صاحب رؤية في تصميم المنتج"، كما وصفه متعاون سابق فضل عدم الكشف عن هويته لصحيفة لوموند الفرنسية. فخلال خمسة عشر عامًا، أحدث رجل الأعمال ثورة في صناعة الاتصالات وصناعة الدفع الإلكتروني وتقدر ثروته بـ 12.9 مليار دولار (10.8 مليار يورو).

العقبات تحفز الإبداع

في مجمع أسياد وادي السيليكون، يجلس جاك دورسي على الهامش، غير قابل للتصنيف، يقول تحقيق صحيفة لوموند: يضاعف جاك دورسي الصور الرمزية. " إنه كالحرباء، من الصعب أن نفهم ما هي قناعاته " يقول دومينيك بيوتيه.

منذ خمسة عشر عامًا، ظهر "جاك" بشعر أزرق و "بيرسينغ" أو حلق في الأنف كفتى لطيف أجرى مقابلة مع أوباما عام 2011 في البيت الأبيض؛ الرئيس التنفيذي لتويتر يرتدي بدلة برادا؛ وشم رياضيات على الساعد؛ راهب يرتدي صندلًا محاك يدويًا ... ومنذ يونيو 2018، تقمص شخصية رجل حكيم، مرة أخرى بحلق في الأنف بعد أن كان قد تخلى عنه لطمأنة المستثمرين.

لا يتردد الملياردير "الزاهد" بكل طيب خاطر في مشاركة تجاربه الحياتية. ابتداءً من الساعة 6 صباحًا يتناوب بين التأمل، وحمام جليدي، وسبع دقائق من تدريب العضلات، وثمانية كيلومترات من المشي السريع إلى المكتب.  بعد حمية اللحوم النيئة والحبوب، تبنى جاك دورسي "الصيام المتقطع". وجبة واحدة فقط في اليوم: العشاء (جرب أيضًا نوع الإفطار، "كارثة"، كما قال لرجال الأعمال الإثيوبيين).

 يّدعي دورسي أنه تميّز بترك الدراسة مرتين، تردد بين العلوم السياسية وعلوم الكمبيوتر، حتى أدرك أن تغيير العالم هو أمر يستغرق سنوات من خلال العملية التشريعية، بينما نرى نتائج سطر من التعليمات البرمجية "في 8 ثوان".

عام 2013، أعلن ميولا ليصبح رئيسًا لبلدية نيويورك لكنه لم يعد يفكر في الأمر بعد الآن. فالتغيير بطيء جدا والمسؤولون المنتخبون عاجزون. عرف دورسي كيف ينسج أسطورته. مراهق بدون طموح رأسمالي، لكنه يحلم بأن يكون رسامًا "ليبتكر العالم كما ينبغي".

ذلك الشاب الانطوائي صنع اسمًا لنفسه، وهو الذي لم يكن ير نفسه رجل أعمال ولا حتى قائد فريق. هو الأكبر بين ثلاثة أولاد، نشأ في سانت لويس، في قلب أمريكا المنقسمة عرقياً. مهووس بالخرائط وحركة المرور والتقاطعات. كان والده تقنيًا في مصنع وكانت والدته تدير مقهى، لكنهما اشتريا كمبيوتر في وقت مبكر من عام 1984: جهاز ماكنتوش.

 كان جاك متعثراً في الكلام، وفي سن 13 تعلم البرمجة بمفرده. في سن 18 اخترق موقع مركز إدارة سيارات الأجرة الرئيسي في نيويورك، وكتب للمدير التنفيذي: "هناك ثغرة في نظامك. أستطيع مساعدتك في إصلاحها، كما أنني أعرف كتابة الكود البرمجي."

 أرسلت له الشركة تذكرة طائرة ووظفته. بعد سنوات، لخص رئيس الشركة في صحيفة The New Yorker ما احتفظت به ذاكرته عن موظفه السابق: " لا يتحدث كثيرًا، إنه يستمع وهو عميق التفكير. "

يحب دورسي من الأمثال: «العقبات تحفز الإبداع." كما يحرص في كل مناسبة يتحدث فيها، على ذكر والدته، مارسيا دورسي، التي تسأل في ملفها الشخصي على تويتر، ما إذا كان من الممكن اعتبارها "جدة تويتر".

استفاد موقع تويتر من حقبة ترامب

بمجرد عودته من إفريقيا، تعرض دورسي لهجوم رسمي من المساهمين من بينهم أستاذ التسويق سكوت جالواي. كان الباحث غاضبًا لأن اسهمه على تويتر والبالغ عددها 334 ألفًا قد خسرت 15٪ بين عامي 2015 و2019، بينما ارتفعت أسهم Google بنسبة 153٪ فيسبوك بنسبة 129٪. وقال: "لم يسمح دورسي بنشر المعلومات المضللة على المنصة فحسب، بل لم يكن قادرًا على الاستفادة منها". دافع إيلون ماسك عن Jack بتغريدة مرفقة بقلب.

لكن كان على جاك السماح لخصوم جدد بالدخول إلى مجلس الإدارة. في عرضه أمام المستثمرين في 9 فبراير، قال: «نحن بطيئون، ولسنا مبتكرين بما يكفي ولا نوحي بالثقة"، على الرغم من أداء المنصة الممتاز في الربع الأخير من عام 2020 حيث انضم الى المنصة 192 مليون مستخدم جديد مع صافي أرباح بلغ 222 مليون دولار، وهي أعلى حصيلة في سبع سنوات.

 استفاد موقع تويتر بشكل جيد من حقبة ترامب (قام بنشر أكثر من 57000 تغريدة في أربع سنوات). وخلافًا لتوقعات الخبراء، لم تتضرر الشبكة من إقصاء الرئيس السابق: منذ 20 كانون الثاني (يناير) الماضي والسؤال المطروح الآن: هل يمكن إعادة قبول ترامب على المنصة كما يطالب أولئك الذين يقولون إنهم يشعرون بالملل من دونه على الشبكة؟ رفض المكتب الصحفي لتويتر الإجابة على سؤال صحيفة لوموند حول ما إذا كان الأمر قد طرح ونُظر فيه.

هذا وكان جاك دورسي قد أعلن منذ فترة عن عدد من المنتجات الجديدة: Spaces، والتي ستنافس منصة Clubhouse الصوتية وغيرها من المنتجات.

حاليا، باع رئيس تويتر جاك دورسي الاثنين 22 مارس نسخة موثقة من أول تغريدة نشرها عام 2006 وبلغ سعرها 2,9 مليون دولار، ما يظهر الشغف المتنامي باقتناء السلع الرقمية لدى هواة الجمع. أعلن جاك أن الأرباح ستذهب إلى مكافحة وباء Covid-19 في أفريقيا.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم