من كُومونة باريس إلى انتفاضة سانتياغو: جيجك يكتب حول الحاجة إلى "قائدٍ لا ينام"

الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك خلال محاضرة في ليفربول
الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك خلال محاضرة في ليفربول © فليكر (Andy Miah)

أحيت وسائل الإعلام وبعض القطاعات العامة الفرنسية ذكرى مرور 150 عاماً على انطلاق "كومونة باريس"، أي ما يعتبر واحدة من أبرز اللحظات السياسية بعد ثورة 1789 والحكومة العمّالية الأولى في التاريخ، التي هزمت بالحديد والنار بعد شهرين و10 أيام من انطلاقها على يد حكومة الجمهورية الفرنسية الثالثة.

إعلان

ومع حلول 18 آذار/مارس من كل عام، تتسابق الأقلام المؤيدة والمعارضة نحو الكتابة وإعادة الكتابة عن الكومونة، الأمر الذي يدل فوراً على مدى الحيوية التي تتمتع بها هذه الذكرى ومقدار ما تمثله في مخيال أنصارها وخصومها في القرن الحادي والعشرين.

كتب الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك نصاً من صفحة واحدة بالإنكليزية، قرأه وسجله بالإسبانية، ليكون مشاركته الخاصة في كتاب جماعي حول تجربة الاحتجاج السياسي الضخمة التي انطلقت في تشيلي في تشرين الأول 2019 بعد رفع أسعار بطاقات النقل في العاصمة سانتياغو ثم اتسعت رقعتها، كما هي العادة، إلى كل مناطق البلاد وتطورت مطالبها شيئاً فشيئاً لتصبح ذات طابع سياسي واجتماعي عميق.

هل يحتاج أنصار الكومونة في عام 2021 إلى تذكر تلك اللحظة؟ وهل تقول تلك التجربة شيئاً مهماً ومفيداً عن واقع حال الانفجارات الشعبية الجارية اليوم في أكثر من بقعة حول العالم؟ لماذا رقص لينين في ساحة الكرملين ولماذا فوجئ ماركس؟ ما الذي يعنيه مفهوم "القائد"، المذموم في بعض الأوساط الثورية الجديدة والمكروه من قبل وسائل الإعلام حين يتعلق الأمر بالانتفاضات العفوية؟

نص جيجك ليس قراءة في تاريخ الكومونة ولا تذكراً استرجاعياً ونوستالجياً لوقائعها، بل، كما هي عادته، مقاربة ناظرة إلى حال الثورات اليوم بعيون شخوص الكومونة: ما الذي يمكن لشعب باريس المنتفض عام 1871 أن يقوله لشعب سانتياغو المنتفض عام 2019 حول التنظيم والقيادة وسلطة الشعب؟

 

لماذا لا يجب على القائد أن ينام عميقاً

 

في هذه الأيام، نحتفل بالذكرى 150 لكومونة باريس التي استمرت من 18 آذار إلى 28 أيار 1871. بعد هزيمة فرنسا في الحرب مع ألمانيا، ومع تواجد الجيش الألماني على أبواب باريس، استلم شعب باريس مقاليد الأمور ونظم سلطته الخاصة بسرعة من خارج إحداثيات سلطة الدولة الموجودة - كانت كومونة باريس أول حكومة عمال في التاريخ. ليس غريباً أن يرقص لينين على الثلج في إحدى باحات الكرملين فرحاً بأن سلطة البلاشفة كانت قد استمرت في تلك اللحظة يوماً واحداً إضافياً بالمقارنة مع الكومونة. ماركس نفسه كان متفاجئاً بالكومونة. وكان سبب "المفاجأة" هو في التنظيم الذاتي المحلي للشعب وفي مسعاه نحو ديمقراطية تنمو من الأسفل، من المجالس المحلية، مع مشاركة نشطة من طرف الشعب.

هل يمكن للكومونة أن تستمر كنموذج بالنسبة لنا اليوم في تشيلي؟ حين يُستنفد الشكل السائد من التمثيل السياسي، هل يمكن منح انخراطنا السياسي حياة جديدة من خلال استيقاظ مباشر للشعب؟ حدث ذلك مع "أبرويبو" [الموافقة على استبدال دستور بينوشيه في تشيلي في تشرين الأول 2020]، لكن المهمة التي تنتظرنا اليوم أكثر صعوبة وأقل جاذبية. الطاقة الخام لاستيقاظ الشعب يجب أن تترجم في برنامج سياسي جديد، مع تنظيم ثابت وقياديين جدد. لا يكفي بالنسبة للقائد أن يستمع إلى الشعب وأن يصوغ ما يريده في برنامج.

كان العجوز هنري فورد محقاً حين لاحظ أنه حين قدم السيارة المنتجة بشكل متسلسل، لم يتّبع في ذلك ما أراده الشعب. وكما قال باقتضاب، إذا ما سئل الشعب ما يريد فإنه كان ليجيب: "حصان أفضل وأقوى ليجر عرباتنا!". الأمر نفسه ينطبق على القائد السياسي المطلوب اليوم. أراد محتجو "السترات الصفراء" في فرنسا حصاناً أفضل (أقوى وأرخص) - وهذا يعني في حالتهم، بشكل ساخر، وقوداً أرخص لسياراتهم. ما يتوجب فعله هو منحهم نظرة عن مجتمع لا يعود فيه سعر الوقود مهماً بنفس الطريقة التي لم يعد فيها سعر علف الأحصنة مهماً بعد اختراع السيارات.

لكن هذا، بطبيعة الحال، ليس إلا جانباً واحداً من كون المرء قائداً. الجانب الآخر، الجانب المعاكس، هو القدرة على اتخاذ قرارات قوية حين لا يمكن تجنبها: أي مجموعة من الجنود ستتم التضحية بها في ساحة المعركة، أي مريض سيترك ليموت حين لا يكون هناك كثير من الموارد، إلخ، أو، كما قال طبيب عجوز في مسلسل New Amsterdam التلفزيوني: "القادة يتخذون خيارات تبقيهم مستيقظين في الليل. وإذا غرقت في النوم، فأنت لست واحداً منهم". انتهى زمن الكرنفال دون قادة والآن حانت لحظة تنظيم أنفسنا ومباشرة العمل الصعب.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم